عــادل محمد
2026/08/20, 04:36 PM
هلك المتنطعون: الاعتدال طريق الهداية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أعضاء منتديات ستار تايمز الكرام، تحية طيبة تليق بكم جميعًا.
في زمن تتعدد فيه الآراء وتتسع فيه مساحات النقاش، يبقى الإسلام دينًا قائمًا على التوازن والوسطية، بعيدًا عن الغلو والتشدد والتكلف. ومن جوامع الكلم التي ترسم هذا المنهج النبوي قول رسول الله ﷺ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»، قالها ثلاثًا، رواه مسلم.
والمتنطعون هم الذين يتجاوزون حدود الاعتدال، ويتكلفون في القول والعمل، ويبالغون فيما لا يحتاج إلى مبالغة، حتى يتحول التدين من طريق للسكينة والاستقامة إلى ميدان للتشدد والتعقيد. وقد جاء هذا التحذير النبوي ليضع حدًّا واضحًا أمام كل إفراط يخرج بالإنسان عن منهج الحكمة والاتزان.
فالاعتدال في الإسلام ليس تهاونًا في الدين، ولا تفريطًا في الواجبات، وإنما هو التزام بالحق من غير غلو، وحرص على الطاعة من غير تكلف، وفهم للنصوص في ضوء مقاصد الشريعة وقواعدها. وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]، فالوسطية سمة أصيلة في هذه الأمة، تعني العدل والخيرية والاستقامة.
ومن صور التنطع أن يتعامل الإنسان مع المسائل بأسلوب متشدد لا تدعو إليه الشريعة، أو أن يجعل الأمور المباحة وكأنها محرمة، أو يحمّل الناس ما لا يحتملون، أو يدخل في دقائق الجدل والخلاف دون علم، ثم ينظر إلى الآخرين بمنظار قاسٍ لا يراعي اختلاف الأحوال والقدرات والاجتهادات المعتبرة.
وقد كان النبي ﷺ يربي أصحابه على الرفق والتيسير، فقال: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» متفق عليه. فالرفق لا يعني ضعف المبدأ، كما أن الحزم لا يعني القسوة، وإنما الحكمة أن يوضع كل أمر في موضعه، وأن تُراعى المقاصد والنتائج، وأن يكون الإنسان داعيًا إلى الخير بأسلوب يقرب القلوب ولا ينفرها.
والاعتدال كذلك لا يعني الوقوف في منتصف الحق والباطل، بل يعني الثبات على الحق مع تجنب الإفراط والتفريط. فالإنسان المعتدل يعرف أن القوة يمكن أن تجتمع مع الرحمة، وأن الالتزام يمكن أن يجتمع مع السماحة، وأن الغيرة على الدين ينبغي أن تكون محكومة بالعلم والبصيرة وحسن الخلق.
ومن أعظم ما يعين على البعد عن التنطع: طلب العلم من مصادره الموثوقة، وفهم النصوص فهمًا صحيحًا، ومعرفة مراتب الأحكام، واحترام العلماء، والتثبت قبل إصدار الأحكام على الآخرين. فليس كل خلاف انحرافًا، وليس كل اجتهاد خطأً يستحق التشنيع، كما أن حسن النية وحده لا يغني عن العلم والحكمة.
إن الاعتدال يصنع شخصية متزنة؛ لا تنجرف مع التشدد، ولا تتساهل مع الخطأ، ولا تجعل الدين مجالًا للصراع والخصومة. وكلما ازداد الإنسان علمًا وبصيرة، أدرك أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد ورفع الحرج عنهم، وأن التدين الحقيقي يظهر في العبادة والأخلاق والمعاملة، لا في المظاهر وحدها.
ولهذا فإن حديث «هلك المتنطعون» ليس مجرد تحذير من أسلوب في الكلام، بل هو قاعدة تربوية عظيمة تحذر من تجاوز الحدود في الدين والحياة، وتدعونا إلى طريق الحكمة والرحمة والاتزان. فالاعتدال يحفظ للدين جماله، وللإنسان كرامته، وللمجتمع تماسكه.
وفي النهاية، يبقى المنهج النبوي واضحًا: التزام بالحق، واعتدال في السلوك، ورفق بالناس، وابتعاد عن الغلو والتكلف. وما أحوجنا اليوم إلى أن نفهم الدين بعلم، ونمارسه بحكمة، ونقدمه بأخلاق، حتى يكون سلوك المسلم شاهدًا على جمال الهداية التي جاء بها الإسلام.
المصادر والمراجع:
القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 143.
صحيح مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، حديث «هلك المتنطعون».
صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا.
صحيح البخاري وصحيح مسلم، حديث «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا».
النووي، شرح صحيح مسلم.
ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أعضاء منتديات ستار تايمز الكرام، تحية طيبة تليق بكم جميعًا.
في زمن تتعدد فيه الآراء وتتسع فيه مساحات النقاش، يبقى الإسلام دينًا قائمًا على التوازن والوسطية، بعيدًا عن الغلو والتشدد والتكلف. ومن جوامع الكلم التي ترسم هذا المنهج النبوي قول رسول الله ﷺ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»، قالها ثلاثًا، رواه مسلم.
والمتنطعون هم الذين يتجاوزون حدود الاعتدال، ويتكلفون في القول والعمل، ويبالغون فيما لا يحتاج إلى مبالغة، حتى يتحول التدين من طريق للسكينة والاستقامة إلى ميدان للتشدد والتعقيد. وقد جاء هذا التحذير النبوي ليضع حدًّا واضحًا أمام كل إفراط يخرج بالإنسان عن منهج الحكمة والاتزان.
فالاعتدال في الإسلام ليس تهاونًا في الدين، ولا تفريطًا في الواجبات، وإنما هو التزام بالحق من غير غلو، وحرص على الطاعة من غير تكلف، وفهم للنصوص في ضوء مقاصد الشريعة وقواعدها. وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]، فالوسطية سمة أصيلة في هذه الأمة، تعني العدل والخيرية والاستقامة.
ومن صور التنطع أن يتعامل الإنسان مع المسائل بأسلوب متشدد لا تدعو إليه الشريعة، أو أن يجعل الأمور المباحة وكأنها محرمة، أو يحمّل الناس ما لا يحتملون، أو يدخل في دقائق الجدل والخلاف دون علم، ثم ينظر إلى الآخرين بمنظار قاسٍ لا يراعي اختلاف الأحوال والقدرات والاجتهادات المعتبرة.
وقد كان النبي ﷺ يربي أصحابه على الرفق والتيسير، فقال: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» متفق عليه. فالرفق لا يعني ضعف المبدأ، كما أن الحزم لا يعني القسوة، وإنما الحكمة أن يوضع كل أمر في موضعه، وأن تُراعى المقاصد والنتائج، وأن يكون الإنسان داعيًا إلى الخير بأسلوب يقرب القلوب ولا ينفرها.
والاعتدال كذلك لا يعني الوقوف في منتصف الحق والباطل، بل يعني الثبات على الحق مع تجنب الإفراط والتفريط. فالإنسان المعتدل يعرف أن القوة يمكن أن تجتمع مع الرحمة، وأن الالتزام يمكن أن يجتمع مع السماحة، وأن الغيرة على الدين ينبغي أن تكون محكومة بالعلم والبصيرة وحسن الخلق.
ومن أعظم ما يعين على البعد عن التنطع: طلب العلم من مصادره الموثوقة، وفهم النصوص فهمًا صحيحًا، ومعرفة مراتب الأحكام، واحترام العلماء، والتثبت قبل إصدار الأحكام على الآخرين. فليس كل خلاف انحرافًا، وليس كل اجتهاد خطأً يستحق التشنيع، كما أن حسن النية وحده لا يغني عن العلم والحكمة.
إن الاعتدال يصنع شخصية متزنة؛ لا تنجرف مع التشدد، ولا تتساهل مع الخطأ، ولا تجعل الدين مجالًا للصراع والخصومة. وكلما ازداد الإنسان علمًا وبصيرة، أدرك أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد ورفع الحرج عنهم، وأن التدين الحقيقي يظهر في العبادة والأخلاق والمعاملة، لا في المظاهر وحدها.
ولهذا فإن حديث «هلك المتنطعون» ليس مجرد تحذير من أسلوب في الكلام، بل هو قاعدة تربوية عظيمة تحذر من تجاوز الحدود في الدين والحياة، وتدعونا إلى طريق الحكمة والرحمة والاتزان. فالاعتدال يحفظ للدين جماله، وللإنسان كرامته، وللمجتمع تماسكه.
وفي النهاية، يبقى المنهج النبوي واضحًا: التزام بالحق، واعتدال في السلوك، ورفق بالناس، وابتعاد عن الغلو والتكلف. وما أحوجنا اليوم إلى أن نفهم الدين بعلم، ونمارسه بحكمة، ونقدمه بأخلاق، حتى يكون سلوك المسلم شاهدًا على جمال الهداية التي جاء بها الإسلام.
المصادر والمراجع:
القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 143.
صحيح مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، حديث «هلك المتنطعون».
صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا.
صحيح البخاري وصحيح مسلم، حديث «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا».
النووي، شرح صحيح مسلم.
ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري.