المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هلك المتنطعون: التحذير من الغلو في الدين .


عــادل محمد
2026/08/20, 03:37 PM
هلك المتنطعون: التحذير من الغلو في الدين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


يأتي الإسلام بدينٍ يقوم على الاعتدال والتوازن، ويراعي فطرة الإنسان وقدرته، ويجمع بين العبادة والعلم والعمل، وبين الثبات على الحق والرحمة بالخلق. ومن أعظم ما حذّر منه الشرع الغلو في الدين؛ لأن تجاوز حدود الاعتدال قد يحوّل العبادة من طريقٍ إلى الله إلى بابٍ من أبواب المشقة والتنفير والانحراف عن الهدي النبوي.

وقد جاء التحذير النبوي واضحًا في قوله صلى الله عليه وسلم: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»، قالها ثلاثًا، رواه مسلم. والمتنطعون هم الذين يتعمقون ويتشددون ويتجاوزون الحد في الأقوال والأفعال، فيتكلفون ما لم يكلّفهم الله به، أو يجعلون التشدد معيارًا للتدين والصلاح.

والغلو لا يعني مجرد الالتزام أو الحرص على الطاعة؛ فالتمسك بالكتاب والسنة ليس غلوًا، والحرص على أداء الفرائض واجتناب المحرمات ليس تشددًا. وإنما يكون الغلو عندما يتجاوز الإنسان حدود الشرع، فيحرّم ما أحل الله، أو يوجب ما لم يوجبه الله، أو يحمّل نفسه والناس من المشاق ما لم يأذن به الشرع، أو يتعامل مع مسائل الدين بغير علم ولا بصيرة.

وقد حذّر القرآن الكريم من هذا المسلك صراحة، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 77]. وقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: 171].

كما جاءت السنة النبوية لتؤكد هذا المعنى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إيَّاكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»، رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وصححه أهل العلم بمجموع طرقه.

ومن صور الغلو أن يتعامل الإنسان مع الدين بمنطق التعقيد المستمر، فيجعل كل مسألة سببًا للتشديد، وكل خلاف فقهي مدخلًا للتبديع والتخطئة، وكل اجتهاد مختلف ذريعةً للطعن في الآخرين. بينما كان منهج النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا على الحكمة والرحمة ومراعاة أحوال الناس، مع المحافظة على حدود الله وأحكامه.

والاعتدال في الدين لا يعني التنازل عن المبادئ أو التساهل في الواجبات، بل يعني وضع كل أمر في موضعه الصحيح؛ فالواجب يبقى واجبًا، والحرام يبقى حرامًا، والمباح يبقى مباحًا، والمسائل الاجتهادية تُفهم في إطارها العلمي، ولا تتحول إلى معارك شخصية أو أحكام قاسية على الناس.

ومن أخطر آثار الغلو أنه قد يجعل الإنسان ينظر إلى نفسه باعتباره أكثر التزامًا من غيره، فيحتقر المخالف أو يسيء الظن به، وقد يؤدي التشدد غير المنضبط إلى تنفير الناس من الدين بدل تقريبهم منه. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا»، متفق عليه.

إن التدين الصحيح ليس في كثرة التكلف، ولا في المبالغة في المظاهر، ولا في التشدد على النفس والآخرين بغير دليل، وإنما في صدق العبودية لله، واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وفهم النصوص فهمًا صحيحًا، والوقوف عند حدود الشرع دون زيادة أو نقصان.

والعاقل في دينه لا يكتفي بالحماس، بل يجمع بين العلم والبصيرة والرحمة والاعتدال. فإذا أراد المسلم أن يعبد الله، فليعبده كما شرع، وإذا أراد أن ينصح غيره، فليكن نصحه بالحكمة والموعظة الحسنة، وإذا اختلف مع غيره في مسألة، فليتذكر أن الاختلاف العلمي لا يبرر إسقاط الأخلاق ولا إهدار الاحترام.

وفي زمن تتسارع فيه المعلومات وتنتشر فيه الآراء عبر وسائل التواصل، تصبح الحاجة إلى العلم الشرعي الموثوق أكبر من أي وقت مضى؛ لأن مقاطع قصيرة أو عبارات مقتطعة قد تُفهم بطريقة خاطئة، وقد تدفع بعض الناس إلى التشدد دون معرفة بأصول المسألة ومقاصدها وأقوال أهل العلم فيها.

إن قول النبي صلى الله عليه وسلم «هلك المتنطعون» ليس مجرد تحذير من سلوك فردي، بل هو تنبيه إلى خطورة تجاوز الحدود التي رسمها الشرع. فالدين الذي جاء رحمةً وهدايةً لا يحتاج إلى الغلو حتى يثبت حضوره، والحق لا يحتاج إلى القسوة حتى يكون قويًا، والنصيحة لا تحتاج إلى الإهانة حتى تكون مؤثرة.

ويبقى المنهج الأسلم هو أن نطلب العلم من مصادره المعتبرة، وأن نفهم النصوص في سياقها، وأن نميز بين القطعي والاجتهادي، وأن نحفظ للناس كرامتهم، وأن نبتعد عن التكلف والتشدد الذي لا دليل عليه. فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وخير الطريق ما وافق الكتاب والسنة بفهم صحيح واتزان راسخ.

خاتمة

إن الاعتدال ليس ضعفًا في الدين، كما أن الغلو ليس دليلًا على قوة الإيمان. وبين الإفراط والتفريط طريق واضح رسمه الإسلام: عبادةٌ بلا تكلف، والتزامٌ بلا غلو، ونصيحةٌ بلا تنفير، وثباتٌ على الحق مع رحمةٍ بالخلق. ومن أراد النجاة، فليزن أقواله وأفعاله بميزان الشرع، وليحذر أن يتحول التدين من طاعةٍ لله إلى تنطعٍ ينهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المصادر والمراجع
القرآن الكريم، سور النساء والمائدة.
صحيح مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون.
صحيح البخاري وصحيح مسلم، حديث «يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا».
سنن النسائي، كتاب مناسك الحج، باب التقاط الحصى.
سنن ابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي.
تفسير ابن كثير، تفسير الآيات المتعلقة بالغلو في الدين.
شرح النووي على صحيح مسلم.
فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني.