عــادل محمد
2026/08/28, 07:02 PM
الخطابة مقام جليل، وحمل ثقيل، ودرب طويل، لذلك فهي تحتاج إلى نوعية خاصة من الرجال لهم مواصفات خاصة ويتمتعون بمهارات خاصة، فليس كل داعية خطيب، وليس كل طالب علم أو عالم خطيب.
فالخطابة فن مؤثر يمتد جذوره في التاريخ الإنساني، ويهدف إلى الإقناع والتوجيه من خلال التأثير في السامعين، ويعتمد بصورة كبيرة على موهبة طبيعية للخطيب مع دراسة وتدريب ومعرفة واسعة، كما تتطلب الخطابة من الخطيب صفات نفسية وجسدية، بالإضافة إلى تنظيم وبراعة لغوية، وهذا ليس مبالغةً أو تفخيماً فارغاً، فالخطابة أداة مهمة للتغيير والإصلاح في المجتمعات، وخاصة في أوقات الأزمات، لذلك فهي تحتاج إلى ضبط وإعداد وإتقان، وحيازة العديد من الفنون اللغوية والبلاغية بجانب مهارات التواصل والإقناع. اقتنِاللوحات الفنية
ومن أهم المهارات التي يجب على الخطيب اكتسابها؛ معرفة الأمور التي يجب عليه اجتنابها أثناء إلقاء خطبته، وهي بمثابة لاءات اعتراضية نقولها على شكل رسائل قصيرة ومركزة للخطباء، وهي في الأصل أمور يشتكي منها السامعون والحاضرون تعيقهم في تحصيل مراد الخطيب أو فهم رسالته، ولا يجدون سبيلاً لإبلاغ شكايتهم إلى كثير من خطبائهم، لذلك لخصنا تلكم الشكاية في كبسولات سريعة.
1-لا للتطويل
بعض الخطباء إذا ما اعتلى المنبر تأخذه شهوة الكلام، والترسل فيه حتى يطول زمن الخطبة ويضجر الناس منه ويملوا حتى ولو كان بليغاً فصيحاً، فطول الكلام ينسي بعضه بعضاً، ويفقد الحاضرون معه التركيز والاستفادة من مضمون الخطبة، وعلى الرغم من عدم وجود نصوص شرعية ملزمة في تحديد زمن الخطبة، وأنها متروكة لتقدير كل خطيب حسب الحاجة، إلا إن النصوص الشرعية تضافرت على استحباب تقصير زمن الخطبة.
روى مسلم في صحيحه عن عمار بن ياسر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ"، مَئنَّةٌ؛ أي: علامة، والمراد بالحديث أن تُطوَّل صلاة الجمعة في اعتدال، وأن تُقصَّر خطبة الجمعة في غير إخلال، وليس المراد تعمد أن تكون خطبة الجمعة أقصر من الصلاة، وإنما المطلوب التوسط في خطبة الجمعة، وتقصيرها بالنسبة إلى أطول منها، كما أن المراد تطويل الصلاة بالنسبة إلى أقصر منها، فخير الأمور أوسطها، بدليل ما رواه مسلم عن جابر بن سَمُرة -رضي الله عنه- قال: "كنت أصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا". قال النووي "(خطبته قصدًا)؛ أي: "بين الطول الظاهر والتخفيف الماحق". قال ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد: "كان يُقصِّر خطبته أحيانًا، ويُطيلها أحيانًا بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة". والخلاصة أن التوسط في الخطبة بحيث يكون وقتها من عشرين إلى ثلاثين دقيقة أفضل من أن تكون عشر دقائق فتأتي قصيرة مخلة بالمعاني والغايات، وأفضل من أن تكون أربعين دقيقة فما فوقها فتكون طويلة مملة يضجر منها السامعون.
2-لا للتقعر والتكلف
وهو التشدق، وتكلف السجع، والفصاحة، والتصنع فيه، فإنه من التكلف الممقوت، إذ ينبغي أن يقتصر في كل شيء على مقصوده، ومقصود الكلام التفهيم للغرض، وما وراء ذلك تصنع مذموم، ولا يدخل في هذا تحسين ألفاظ التذكير والخطابة من غير إفراط ولا إغراب، فلرشاقة اللفظ تأثير في ذلك.
والخطيب المتشدق هو المُتطاول على الناس بكلامه، ويتكلم بملء فيه؛ تفَصُّحًا وتعظيمًا لكلامه، وهذا من التنطع الذي نهى الشرع عنه. فقد أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هلَك المُتَنَطِّعُون"؛ قالها ثلاثًا. والتنطع في الكلام: هو التَّعمُّق فيه، والتفاصح، وتكلُّف البلاغة في أساليب الكلام.
والحاضرون هم من طبقات شتى من المجتمع منهم المتعلم ومنهم الأمي، ومنهم المثقف ومنهم العامي، لذلك يجب على الخطيب مراعاة هذا التفاوت الثقافي والإدراكي للحاضرين فلا يتكلم بلغة غريبة وحشية يصعب فهمها وإدراك المقصود منها.
ولقد ذمَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- التشدق في الكلام، وتكلف السجع والفصاحة؛ فقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن مصعب بن سعد -رضي الله عنهما- قال: جاء عُمر بن سعد إلى أبيه يسأله حاجة، فتكلم بينَ حاجته بكلام، فقال له سعد -رضي الله عنه-: ما كنتَ من حاجتك أبعد منك اليوم؛ إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يأتي على الناس زمانٌ يتخلَّلُون فيه الكلامَ بألسنتهم كما تتخلَّلُ البقرُ الكلأَ بألسنتها"، وفي رواية: "سيكون قومٌ يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر من الأرض".
ولقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن المُتَشدِّقين في الكلام هم أبعد الناس منه يوم القيامة؛ فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكم منِّي مجلسًا يوم القيامة أحاسِنَكم أخلاقًا، وإن أبغَضَكم إليَّ وأبعَدَكم منِّي يوم القيامة الثرثارون والمُتَشَدِّقُون والمُتَفَيْهِقُون "، قالوا: يا رسول الله، قد عَلِمْنَا "الثرثارون والمُتَشَدِّقُون"، فما المُتَفَيْهِقُون؟ قال: "المُتَكَبِّرُون".
والخطيب إذا تكلَّف الكلام وتفاصح وتشدق، فاعلم أنه في قلبه مرض الكبر؛ لأنه يرى لنفسِه فضلاً على غيره ومزية عليه، فيحتقر من تقدمه، ولا يعلم هذا المسكين أن قلة كلام السلف إنما كان ورعًا وخشية لله، ولو أرادوا الكلام وإطالته والفصاحةَ فيه ما عَجزوا، غير أنهم إذا ذكَروا عظمة الله تلاشَت عقولهم، وانكسرَت قلوبهم، وقصرت ألسنتهم.
3-لا للعشوائية
وهنا مقام حساس يخلط فيه كثير من الخطباء بين العشوائية والارتجال، فيظنون أن ترك إعداد الخطبة وتحضير موضوعها وحشد الأدلة الشرعية والأمثلة التاريخية والواقعية الداعمة لموضوع الخطبة، يظنون كل ذلك من الارتجال وعلامة على قوة الحاضرة وسعة المحفوظات، وهذا كله محض وهم فاسد.
فالارتجال مقام البلغاء الفصحاء والخطباء الأقوياء ولكن لا يلجئون إليه إلا في أضيق الحدود ولغايات يقدرها الخطيب، أو عند حدوث أمر طارئ يدفع الخطيب لتغير موضوع الخطبة والارتجال فيما استجد. أما العشوائية فهي فوضى وقلة مبالاة واستهتار بمقام الخطابة، إذ يظل بعض الخطباء يسوفون في إعداد الخطبة وتحضيرها حتى الساعات الأخيرة وربما قبل آذان الجمعة بدقائق، فيمكث هنيهة يطالع فيها بعض الأحاديث، ثم يعتلي المنبر يخبط خبط عشواء في الكثير من المواضيع بلا زمام ولا خطام، ولا مراعاة للبناء الصحيح للخطبة من مقدمة واستهلال وعرض موضوع والاستدلال ثم النتيجة والختام، فيدخل ويخرج من العديد من المواضيع بعشوائية وفوضى مقيتة، فيصير كالمنبت الذي لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى، يحتار معهم السامعون، ويتعب في فهم مراده الحاضرون.
4-لا للشخصنة
الخطيب في النهاية بشر يقع منه ما يقع من سائر البشر، وهو مخالط لقومه ولبيئته ومتفاعل مع الناس سلباً وإيجاباً، ومن الوارد جداً أن يكون بين الخطيب وبين بعض الحاضرين من جيرانه أو أقربائه أو أصدقائه أو حتى عموم الناس خصومة أو مشاكل شخصية جانبية، وهنا يلزم الخطيب لزوماً قاطعاً لا لبس فيه أن ينحي الخطيب خلافاته الشخصية مع غيره من الحضور أو حتى مع غيرهم ممن لا يحضرون له، ولكن سيصلهم كلامه بشكل أو بأخر.
المنبر مقام شريف، والخطابة رسالة سامية، ومن القبح كل القبح أن يتحول هذا المقام إلى منبر لتصفية الحسابات أو الانتقام من المخالفين أو توجيه رسائل صريحة أو ضمنية فيها همز ولمز وإساءة لأحد من الحاضرين أو الغائبين ممن يُعلم خصومته مع الخطيب. فكم من أزمات اندلعت ومشاكل اشتعلت وجُمع عُطلت وصلوات أُفسدت على الحاضرين بسبب وقوع ملاسنة بين الخطيب وبعض الحاضرين لخلاف شخصي بينهما، استغله الخطيب للانتقام من خصمه بتشوية صورته من خلال الخطبة من على منبر شريف كمنبر الخطابة.
الخطابة تحتاج إلى تجرد وإخلاص وهضم لحق النفس وصبر واحتمال الأذى، كما أنها تهدف إلى تأليف القلوب ولمّ الشمل وإصلاح ذات البين، لذلك فليس المقبول استغلال المنبر لتصفية الحسابات وشخصنة الخطبة لصالح غرض شخصي للخطيب وحده.
5-لا للإثارة والتهييج
ولا نقصد بها الإثارة اللغوية والتشويق البياني والاستهلالات البارعة والموضوعات القوية، وتهييج المشاعر لذرف الدموع والحث على التوبة والإصلاح، ولكن لا للإثارة التي تؤدي لوقوع الشغب والاضطرابات والتهييج الذي يقود لانفلات الأمور وقطع حبل الأمن والاستقرار المجتمعي.
وقد لا يتصور وقوع ذلك من الخطيب عمداً، لأن الخطيب مؤتمن وضامن في نفس الوقت، ومواضيع الخطبة معروفة سلفاً ومتفق عليها حسب المناسبات والأحداث، ولكن قد يقع ذلك من بعض الخطباء عن غير قصد وتحت تأثير النوازل العامة والأحداث المؤلمة والمشاهد المأساوية التي تنقلها وسائل الإعلام عما يتعرض له المسلمون في كل مكان، وعندها تسود حالة من الغضب الشعبي وقد يتأثر الخطيب بكل ذلك، فإذا لم يضبط أدائه الخطابي، ويتحكم في انفعالاته فإنه يضر أكثر مما ينفع، ويفسد أكثر مما يصلح.
أيضا في وقت الفتن والنوازل العامة لابد من الخطيب من التروي والهدوء واستبيان الأمور ومعرفة الموقف الشرعي منها، ولا سيما حين تكون الأمور مختلطة، والمشهد غير واضح، والأجواء معتمة قاتمة، والنعرات والدعاوى الجاهلية ذات صخب وجهورة، فلا يتميز المحق من المبطل، ولا المصلحة من المفسدة، ولا النافع من الضار. وحينئذٍ يلزم الخطيب أن يوجه الناس إلى الرجوع إلى أهل الاختصاص، وأن يرد أمر هذه النوازل إلى العلماء الراسخين، وأهل الفقه المعتبرين.
ومن صور الإثارة والتهييج، التركيز على المسائل الخلافية التي تثير الجدل والتعصب بين الناس، فإنَّ مهمة الخطيب الأساسية هي توحيد صفوف المسلمين وإزالة أسباب الشقاق بينهم. وإن طرح أي مسألة تؤدي إلى خلاف وشقاق بين المسلمين تكون بمثابة مسمار نعش لاستقرار المجتمع وأمنه وسلامته، وباب شر لنشر الشقاق والخلاف بين الناس.
6-لا للتبكيت
النجاح الحقيقي للخطيب يتمثل في مقدرته على توصيل رسالته، والمساهمة في بناء وعي الحاضرين، وبذل المجهود في تغيير القناعات الخاطئة الراسخة لدى الحاضرين، وتلك النقطة تحديدا هي لب الخطبة الناجحة، وعنوان الخطيب الرباني.
وعلى طريق تحقيق مهمة الإقناع الخطابي يوجد عدة مزالق يقع فيها كثير من الخطباء والدعاة؛ فمع ضغوط الواقع، وكثرة النكبات، واستطالة الباطل، واستبطاء النصر، وكثرة الأسئلة المستفزة، يفقد كثير من الخطباء حلمهم، وينفد صبرهم، فتثور أعصابهم، ويظهر ذلك جلياً في أداء خطبتهم، فيميلون إلى التقريع والتبكيت والإلجام، وقصف مسامع الحاضرين بوابل من الادانات، وينسون طرائق الرفق واللين من أجل الإقناع، وهنا تقع أزمة من أكبر أزمات الخطباء، وهو انفضاض الجمهور من حولهم، ونفور الكثيرين منهم.
نعم قد يحتاج الخطيب إلى نوع من التبكيت في بعض الأحيان عندما تنتشر المنكرات في المجتمع، ويستسهل الناس التعاطي مع هذه المنكرات، بحيث لا يقع الانكار عليها موقعه المناسب للحسم، فتتحول المنكرات مع الوقت إلى عادة وأسلوب حياة غير مستنكرة بين الناس، كما وقع في بعض المجتمعات من التساهل في الاختلاط وتبرج النساء والسخرية من الحجاب، وعندها لابد من التقريع والتذكير بخطورة قبول المنكر والاستخفاف به واستسهاله.
أيضا قد يحتاج الخطيب للتبكيت والتذكير بالذنوب والتوبيخ من أجل إيقاظ القلوب ودفعها للندم والتوبة، وإيقاظ الضمائر التي اعتادت على الغفلة وأدمنت المعاصي. وحتى يؤتي التبكيت ثماره لابد من التعميم دون التخصيص، على النهج النبوي "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا"، والتوازن بين التبكيت والترغيب في التوبة، مع الإخلاص والتجرد وعدم تذكية النفس، والأهم من ذلك تخفيف جرعته على قدر الحاجة، فلا تكون الخطبة كلها تقريع وتبكيت، فالإشارة تغني عن العبارة.
7-لا للانفصال عن الواقع
الخطيب لابد له من النزول إلى ميدان الحياة، وإبصار واقع الناس، معرفة مشاكلهم ومعاناتهم واستطاعتهم وما يعرض لها يوميا، ومعرفة النصوص التي تتنزل عليهم في واقعهم في مرحلة معينة، وما يمكن تأجيله لتوافر شرط الاستطاعة. فتنزيل النصوص هو ثمرة فقه الواقع وتفاعل النص مع الواقع. ففقه الواقع مبني في الأساس على دراسة الواقع اليومي المعيش، دراسة دقيقة ومستوعبة لجميع مفردات هذا الواقع.
وإذا انفصل الخطيب عن واقعه ومجتمعه صار مثل الكتاب الذي أُنزل من الرف، أو كالشريط المسجل؛ لا علاقة له بالواقع، جهل مطبق بما يكابده الناس أو ما هم عليه ويحتاج لتنبيه أو استغلال في تذكيرهم أو تحسين سلوكهم وعبادتهم. هذا التجاهل المطلق لأحوال الناس وظروفهم يورث في قلوب الناس بغض الخطيب، والانفضاض عنه لعدم واقعيته. فالنفس الإنسانية مجبولة على محبة من يمتدح محاسنها، ويواسيها في ظروفها القاهرة، ومن يشعر باحتياجاتها ويتعرف على أحوالها، ومن يخصها بشيء لها ولذاتها. وهذا المحبة تورث في القلب قبولا للمطالبات التالية، وتفهما لما قد يفرضه الخطيب مما تأنفه النفس.
8-لا للكبر والعجب
لا أفسد للخطبة من كبر خطيبها، مهما أوتي من روعة البيان، وسداد الموقف والرأي، فالكبر من أبغض الأخلاق وأكثرها جرماً؛ لأثره الضار على صاحبه، وعلى الناس من حوله. وأسوأ ما يكون عليه الخطيب التلبس بهذا الخلق المنكر.
بعض الخطباء فيهم كبر وتعال وإعجاب بالنفس؛ وإن زعموا غير ذلك، فإنه قد تصدر منه مؤشرات الكبر، فهو من الخصال التي لا تخفى على أحد، فهي مثل الروائح النفاذة؛ سهلة الالتقاط!! فيجب على الخطيب-بل الجميع-أن يظل في حذر دائم؛ فإذا ما رماه الناس بالكبر؛ فليتيقن أن له في التهمة نصيب، وعليه أن يفتش في نفسه عن جذور هذا المرض، لأن مرض الكبر والإعجاب بالنفس يختبئ دوما خلف نصرة الحق، وحسن السمت، بل إن الكبر قد يختبئ خلف مظاهر التواضع وسماتها، فتجد بعضا ممن يتعمد مظاهر التواضع؛ وهو في حقيقة الأمر متعال متكبر.
إن الكبر لا يعالج بنفيه؛ بل تعمد كسر سورته، كما فعل عمر -رضي الله عنه- عندما آنس من نفسه شيئاً يسيراً من العجب في موسم الحج؛ فقام في الناس قائلا: "لا إله إلا الله العظيم المعطي ما شاء لمن شاء... كنت أرعى أبل الخطاب بهذا الوادي، في مدرعة صوف، وكان فظاً، ويتعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصرت، وقد أمسيت ليس بيني وبين الله أحد".
إن الكثير من الإجراءات المتبعة في الخطبة، وأفعال الخطيب قد تكون طقوساً تؤدي إلى الكبر والتعالي، هذه الإجراءات بريئة في أصلها؛ لكنها تحولت لطقوس فرضت بينهم وبين الناس حواجز، وأسبغت عليهم تميزا؛ يؤول إلى شيء من الكبر والتعالي على الناس.
وكان في بعض العصور أن بالغ بعض السلاطين في تحلية ثياب الخطيب؛ حتى وشوها بالذهب والفضة، وبالغوا في حجم عمامته؛ حتى بلغت حجما مستنكرا! وبعض الخطباء بالغ في الكثير من هذه المحسنات في: لبسه، وهيئته، وحركته، وتعامله مع الناس تحولت إلى طقوس تحمل الكثير من مظاهر الكبر.
يجب على الخطب أن يتعمد التنازل والتواضع، فلا بأس أن يأتي بدون عباءة فاخرة؛ فهذا لا ينقص من علمه ولا مهابته، ولا بأس أن يأتي بثوب قديم، وعباءة مهترئة، خصوصاً إن كانت الناس في شدة، وضيق؛ فهذا لا يخالف التزين المأمور به في كل مسجد، ولصلاة الجمعة؛ إن كان قد حقق: النظافة، وطيب الريح، وحسن الهيئة، قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ البذاذةَ من الإيمانِ، إنَّ البذاذَةَ من الإيمانِ).
9-لا لكثرة الحركة
عندما تلقي خطبة فأنت ترسل نوعين من الرسائل إلى المستمعين؛ بينما ينقل صوتك رسالة لفظية، تنتقل كمية كبيرة من المعلومات بطريقة مرئية، وذلك من خلال مظهرك وطريقتك وسلوكك البدني، ولا شك بأن التفاعل والتعاطي بين الخطيب وبقية الناس يشمل التحدث إليهم من خلال جمل وكلمات ونبرة صوت، إضافة إلى حركات الجسد التي نَستطيع بأن نَجزم بأنها اللغة التي تعتبر من أقوى وأهم شكل من أشكال التعاطي بين الناس، فهي اللغة المثيرة؛ لأنها تسمح بقراءة أفكار من يواجه الناس بالحديث والخطاب.
والخطيب يتحمل مسؤولية فشله في إلقاء الخطبة نتيجة أنه بعث برسالة ذات حدين إلى المستمعين، فما رأوه بأعينهم، تنافى مع ما سمعوه بآذانهم، وعندما يقع ذلك فإن الجمهور لا يصدق إلا ما شاهده بنفسه، فعلى الرغم من الرسالة بالسعادة التي تحملها كلمات المتحدث أمام الجمهور، إلا أن تعبيراته غير الشفهية قد تحمل رسالة عكسية.
فبعض الخطباء يفهم لغة الجسد بصورة خاطئة ويحسب أنه يُحسن صنعاً، فيكثر من حركاته على المنبر، ويستخدم اليدين والأصابع والرأس في غير موضعها، ويعبث بلحيته وجبينه عدة مرات، ويصلح هندامه عدة مرات على المنبر، ويكثر الالتفات يمنة ويسرة، والضغط بقبضة أيديهم بعصبية شديدة، مما يسبب توتراً غير ملائم، أو الإكثار من خلع النظارة ولبسها، وبعضهم كثير التحرك في مكانه إلى الأمام تارة وإلى الوراء أُخرى، ونحو هذا، فهذا العبث ونحوه يخل بالأداء، وربما يضر بهيبة الخطيب ووقاره. ويترك الحاضرين في حيرة واضطراب بسبب تضارب رسائله الجسدية الخاطئة.
10-لا لسوء الإلقاء
حسن الإلقاء هو واحد من أهم المهارات الخطابية، بدونه كل شيء يذهب أدراج الرياح، فقد تكون الخطبة مستكملة لكل عناصر النجاح الموضوعية؛ لكنها تعجز عن الوصول للمصلين بسبب سوء الإلقاء. ومظاهر الضعف في الإلقاء ترجع لثلاثة أسباب وهي:
الضعف الخِلقي: يقصد بذلك عدم مناسبة قدرات الخطيب البدنية للخطابة. وقد يكون هذا الضعف مستديماً، مثل أن يكون الخطيب ضعيف الصوت، لا يكاد يسمع، حتى إن حاول الاستعانة بالمكبر الصوتي لا يتحسن أداؤه. وفي بعض الأحيان تختلط مخارج الحروف مع محاولة رفع الصوت إلى حد الإبهام، وبعض الناس فيه الآفات اللسانية مثل التأتأة. وهذا النوع-مع كامل الاحترام-لا يصلح لمهمة الخطابة.
غياب المهارات: كل خطيب يمكنه من خلال عدة جلسات أن تتحسن لده مهارات الإلقاء، لكن الإشكال أن كثيراً من الخطباء معرضون عن التعلم، ولا يرون في مهاراتهم في الخطابة عيباً.
عدم مناسبة شكل الموضوع: ما كل موضوع يصلح شكله وصياغته أن يكون خطبة جمعة، وما كل كتابة تصلح أن تلقى من فوق المنابر. وكثيراً ما لا يفرق الخطيب في خطبته بين النص المكتوب الذي يقرأ، والنص المسموع. فالنص المسموع يكمن التحدي فيه بين الموازنة بين قدرة الاستيعاب وسرعة التنقل بين المواضيع. فإن كان الموضوع فقيرا والجمل مطولة فارغة والمعنى قد وصل إلى ذهن المستمع؛ أدى ذلك إلى الشعور بالملل، وإن كانت الجمل قصيرة ناقصة أو مضطربة فيما تحمله من معاني، أو تكثفت المعاني بشكل لا يمكن المستمع من التقاطها والحفاظ عليها في الذهن بما يصنع منها نسقا متكاملا شعر المصلون بالعجز والإحباط.
تلك عشرة كاملة.
- ملتقى الخطباء
فالخطابة فن مؤثر يمتد جذوره في التاريخ الإنساني، ويهدف إلى الإقناع والتوجيه من خلال التأثير في السامعين، ويعتمد بصورة كبيرة على موهبة طبيعية للخطيب مع دراسة وتدريب ومعرفة واسعة، كما تتطلب الخطابة من الخطيب صفات نفسية وجسدية، بالإضافة إلى تنظيم وبراعة لغوية، وهذا ليس مبالغةً أو تفخيماً فارغاً، فالخطابة أداة مهمة للتغيير والإصلاح في المجتمعات، وخاصة في أوقات الأزمات، لذلك فهي تحتاج إلى ضبط وإعداد وإتقان، وحيازة العديد من الفنون اللغوية والبلاغية بجانب مهارات التواصل والإقناع. اقتنِاللوحات الفنية
ومن أهم المهارات التي يجب على الخطيب اكتسابها؛ معرفة الأمور التي يجب عليه اجتنابها أثناء إلقاء خطبته، وهي بمثابة لاءات اعتراضية نقولها على شكل رسائل قصيرة ومركزة للخطباء، وهي في الأصل أمور يشتكي منها السامعون والحاضرون تعيقهم في تحصيل مراد الخطيب أو فهم رسالته، ولا يجدون سبيلاً لإبلاغ شكايتهم إلى كثير من خطبائهم، لذلك لخصنا تلكم الشكاية في كبسولات سريعة.
1-لا للتطويل
بعض الخطباء إذا ما اعتلى المنبر تأخذه شهوة الكلام، والترسل فيه حتى يطول زمن الخطبة ويضجر الناس منه ويملوا حتى ولو كان بليغاً فصيحاً، فطول الكلام ينسي بعضه بعضاً، ويفقد الحاضرون معه التركيز والاستفادة من مضمون الخطبة، وعلى الرغم من عدم وجود نصوص شرعية ملزمة في تحديد زمن الخطبة، وأنها متروكة لتقدير كل خطيب حسب الحاجة، إلا إن النصوص الشرعية تضافرت على استحباب تقصير زمن الخطبة.
روى مسلم في صحيحه عن عمار بن ياسر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ"، مَئنَّةٌ؛ أي: علامة، والمراد بالحديث أن تُطوَّل صلاة الجمعة في اعتدال، وأن تُقصَّر خطبة الجمعة في غير إخلال، وليس المراد تعمد أن تكون خطبة الجمعة أقصر من الصلاة، وإنما المطلوب التوسط في خطبة الجمعة، وتقصيرها بالنسبة إلى أطول منها، كما أن المراد تطويل الصلاة بالنسبة إلى أقصر منها، فخير الأمور أوسطها، بدليل ما رواه مسلم عن جابر بن سَمُرة -رضي الله عنه- قال: "كنت أصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا". قال النووي "(خطبته قصدًا)؛ أي: "بين الطول الظاهر والتخفيف الماحق". قال ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد: "كان يُقصِّر خطبته أحيانًا، ويُطيلها أحيانًا بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة". والخلاصة أن التوسط في الخطبة بحيث يكون وقتها من عشرين إلى ثلاثين دقيقة أفضل من أن تكون عشر دقائق فتأتي قصيرة مخلة بالمعاني والغايات، وأفضل من أن تكون أربعين دقيقة فما فوقها فتكون طويلة مملة يضجر منها السامعون.
2-لا للتقعر والتكلف
وهو التشدق، وتكلف السجع، والفصاحة، والتصنع فيه، فإنه من التكلف الممقوت، إذ ينبغي أن يقتصر في كل شيء على مقصوده، ومقصود الكلام التفهيم للغرض، وما وراء ذلك تصنع مذموم، ولا يدخل في هذا تحسين ألفاظ التذكير والخطابة من غير إفراط ولا إغراب، فلرشاقة اللفظ تأثير في ذلك.
والخطيب المتشدق هو المُتطاول على الناس بكلامه، ويتكلم بملء فيه؛ تفَصُّحًا وتعظيمًا لكلامه، وهذا من التنطع الذي نهى الشرع عنه. فقد أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هلَك المُتَنَطِّعُون"؛ قالها ثلاثًا. والتنطع في الكلام: هو التَّعمُّق فيه، والتفاصح، وتكلُّف البلاغة في أساليب الكلام.
والحاضرون هم من طبقات شتى من المجتمع منهم المتعلم ومنهم الأمي، ومنهم المثقف ومنهم العامي، لذلك يجب على الخطيب مراعاة هذا التفاوت الثقافي والإدراكي للحاضرين فلا يتكلم بلغة غريبة وحشية يصعب فهمها وإدراك المقصود منها.
ولقد ذمَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- التشدق في الكلام، وتكلف السجع والفصاحة؛ فقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن مصعب بن سعد -رضي الله عنهما- قال: جاء عُمر بن سعد إلى أبيه يسأله حاجة، فتكلم بينَ حاجته بكلام، فقال له سعد -رضي الله عنه-: ما كنتَ من حاجتك أبعد منك اليوم؛ إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يأتي على الناس زمانٌ يتخلَّلُون فيه الكلامَ بألسنتهم كما تتخلَّلُ البقرُ الكلأَ بألسنتها"، وفي رواية: "سيكون قومٌ يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر من الأرض".
ولقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن المُتَشدِّقين في الكلام هم أبعد الناس منه يوم القيامة؛ فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكم منِّي مجلسًا يوم القيامة أحاسِنَكم أخلاقًا، وإن أبغَضَكم إليَّ وأبعَدَكم منِّي يوم القيامة الثرثارون والمُتَشَدِّقُون والمُتَفَيْهِقُون "، قالوا: يا رسول الله، قد عَلِمْنَا "الثرثارون والمُتَشَدِّقُون"، فما المُتَفَيْهِقُون؟ قال: "المُتَكَبِّرُون".
والخطيب إذا تكلَّف الكلام وتفاصح وتشدق، فاعلم أنه في قلبه مرض الكبر؛ لأنه يرى لنفسِه فضلاً على غيره ومزية عليه، فيحتقر من تقدمه، ولا يعلم هذا المسكين أن قلة كلام السلف إنما كان ورعًا وخشية لله، ولو أرادوا الكلام وإطالته والفصاحةَ فيه ما عَجزوا، غير أنهم إذا ذكَروا عظمة الله تلاشَت عقولهم، وانكسرَت قلوبهم، وقصرت ألسنتهم.
3-لا للعشوائية
وهنا مقام حساس يخلط فيه كثير من الخطباء بين العشوائية والارتجال، فيظنون أن ترك إعداد الخطبة وتحضير موضوعها وحشد الأدلة الشرعية والأمثلة التاريخية والواقعية الداعمة لموضوع الخطبة، يظنون كل ذلك من الارتجال وعلامة على قوة الحاضرة وسعة المحفوظات، وهذا كله محض وهم فاسد.
فالارتجال مقام البلغاء الفصحاء والخطباء الأقوياء ولكن لا يلجئون إليه إلا في أضيق الحدود ولغايات يقدرها الخطيب، أو عند حدوث أمر طارئ يدفع الخطيب لتغير موضوع الخطبة والارتجال فيما استجد. أما العشوائية فهي فوضى وقلة مبالاة واستهتار بمقام الخطابة، إذ يظل بعض الخطباء يسوفون في إعداد الخطبة وتحضيرها حتى الساعات الأخيرة وربما قبل آذان الجمعة بدقائق، فيمكث هنيهة يطالع فيها بعض الأحاديث، ثم يعتلي المنبر يخبط خبط عشواء في الكثير من المواضيع بلا زمام ولا خطام، ولا مراعاة للبناء الصحيح للخطبة من مقدمة واستهلال وعرض موضوع والاستدلال ثم النتيجة والختام، فيدخل ويخرج من العديد من المواضيع بعشوائية وفوضى مقيتة، فيصير كالمنبت الذي لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى، يحتار معهم السامعون، ويتعب في فهم مراده الحاضرون.
4-لا للشخصنة
الخطيب في النهاية بشر يقع منه ما يقع من سائر البشر، وهو مخالط لقومه ولبيئته ومتفاعل مع الناس سلباً وإيجاباً، ومن الوارد جداً أن يكون بين الخطيب وبين بعض الحاضرين من جيرانه أو أقربائه أو أصدقائه أو حتى عموم الناس خصومة أو مشاكل شخصية جانبية، وهنا يلزم الخطيب لزوماً قاطعاً لا لبس فيه أن ينحي الخطيب خلافاته الشخصية مع غيره من الحضور أو حتى مع غيرهم ممن لا يحضرون له، ولكن سيصلهم كلامه بشكل أو بأخر.
المنبر مقام شريف، والخطابة رسالة سامية، ومن القبح كل القبح أن يتحول هذا المقام إلى منبر لتصفية الحسابات أو الانتقام من المخالفين أو توجيه رسائل صريحة أو ضمنية فيها همز ولمز وإساءة لأحد من الحاضرين أو الغائبين ممن يُعلم خصومته مع الخطيب. فكم من أزمات اندلعت ومشاكل اشتعلت وجُمع عُطلت وصلوات أُفسدت على الحاضرين بسبب وقوع ملاسنة بين الخطيب وبعض الحاضرين لخلاف شخصي بينهما، استغله الخطيب للانتقام من خصمه بتشوية صورته من خلال الخطبة من على منبر شريف كمنبر الخطابة.
الخطابة تحتاج إلى تجرد وإخلاص وهضم لحق النفس وصبر واحتمال الأذى، كما أنها تهدف إلى تأليف القلوب ولمّ الشمل وإصلاح ذات البين، لذلك فليس المقبول استغلال المنبر لتصفية الحسابات وشخصنة الخطبة لصالح غرض شخصي للخطيب وحده.
5-لا للإثارة والتهييج
ولا نقصد بها الإثارة اللغوية والتشويق البياني والاستهلالات البارعة والموضوعات القوية، وتهييج المشاعر لذرف الدموع والحث على التوبة والإصلاح، ولكن لا للإثارة التي تؤدي لوقوع الشغب والاضطرابات والتهييج الذي يقود لانفلات الأمور وقطع حبل الأمن والاستقرار المجتمعي.
وقد لا يتصور وقوع ذلك من الخطيب عمداً، لأن الخطيب مؤتمن وضامن في نفس الوقت، ومواضيع الخطبة معروفة سلفاً ومتفق عليها حسب المناسبات والأحداث، ولكن قد يقع ذلك من بعض الخطباء عن غير قصد وتحت تأثير النوازل العامة والأحداث المؤلمة والمشاهد المأساوية التي تنقلها وسائل الإعلام عما يتعرض له المسلمون في كل مكان، وعندها تسود حالة من الغضب الشعبي وقد يتأثر الخطيب بكل ذلك، فإذا لم يضبط أدائه الخطابي، ويتحكم في انفعالاته فإنه يضر أكثر مما ينفع، ويفسد أكثر مما يصلح.
أيضا في وقت الفتن والنوازل العامة لابد من الخطيب من التروي والهدوء واستبيان الأمور ومعرفة الموقف الشرعي منها، ولا سيما حين تكون الأمور مختلطة، والمشهد غير واضح، والأجواء معتمة قاتمة، والنعرات والدعاوى الجاهلية ذات صخب وجهورة، فلا يتميز المحق من المبطل، ولا المصلحة من المفسدة، ولا النافع من الضار. وحينئذٍ يلزم الخطيب أن يوجه الناس إلى الرجوع إلى أهل الاختصاص، وأن يرد أمر هذه النوازل إلى العلماء الراسخين، وأهل الفقه المعتبرين.
ومن صور الإثارة والتهييج، التركيز على المسائل الخلافية التي تثير الجدل والتعصب بين الناس، فإنَّ مهمة الخطيب الأساسية هي توحيد صفوف المسلمين وإزالة أسباب الشقاق بينهم. وإن طرح أي مسألة تؤدي إلى خلاف وشقاق بين المسلمين تكون بمثابة مسمار نعش لاستقرار المجتمع وأمنه وسلامته، وباب شر لنشر الشقاق والخلاف بين الناس.
6-لا للتبكيت
النجاح الحقيقي للخطيب يتمثل في مقدرته على توصيل رسالته، والمساهمة في بناء وعي الحاضرين، وبذل المجهود في تغيير القناعات الخاطئة الراسخة لدى الحاضرين، وتلك النقطة تحديدا هي لب الخطبة الناجحة، وعنوان الخطيب الرباني.
وعلى طريق تحقيق مهمة الإقناع الخطابي يوجد عدة مزالق يقع فيها كثير من الخطباء والدعاة؛ فمع ضغوط الواقع، وكثرة النكبات، واستطالة الباطل، واستبطاء النصر، وكثرة الأسئلة المستفزة، يفقد كثير من الخطباء حلمهم، وينفد صبرهم، فتثور أعصابهم، ويظهر ذلك جلياً في أداء خطبتهم، فيميلون إلى التقريع والتبكيت والإلجام، وقصف مسامع الحاضرين بوابل من الادانات، وينسون طرائق الرفق واللين من أجل الإقناع، وهنا تقع أزمة من أكبر أزمات الخطباء، وهو انفضاض الجمهور من حولهم، ونفور الكثيرين منهم.
نعم قد يحتاج الخطيب إلى نوع من التبكيت في بعض الأحيان عندما تنتشر المنكرات في المجتمع، ويستسهل الناس التعاطي مع هذه المنكرات، بحيث لا يقع الانكار عليها موقعه المناسب للحسم، فتتحول المنكرات مع الوقت إلى عادة وأسلوب حياة غير مستنكرة بين الناس، كما وقع في بعض المجتمعات من التساهل في الاختلاط وتبرج النساء والسخرية من الحجاب، وعندها لابد من التقريع والتذكير بخطورة قبول المنكر والاستخفاف به واستسهاله.
أيضا قد يحتاج الخطيب للتبكيت والتذكير بالذنوب والتوبيخ من أجل إيقاظ القلوب ودفعها للندم والتوبة، وإيقاظ الضمائر التي اعتادت على الغفلة وأدمنت المعاصي. وحتى يؤتي التبكيت ثماره لابد من التعميم دون التخصيص، على النهج النبوي "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا"، والتوازن بين التبكيت والترغيب في التوبة، مع الإخلاص والتجرد وعدم تذكية النفس، والأهم من ذلك تخفيف جرعته على قدر الحاجة، فلا تكون الخطبة كلها تقريع وتبكيت، فالإشارة تغني عن العبارة.
7-لا للانفصال عن الواقع
الخطيب لابد له من النزول إلى ميدان الحياة، وإبصار واقع الناس، معرفة مشاكلهم ومعاناتهم واستطاعتهم وما يعرض لها يوميا، ومعرفة النصوص التي تتنزل عليهم في واقعهم في مرحلة معينة، وما يمكن تأجيله لتوافر شرط الاستطاعة. فتنزيل النصوص هو ثمرة فقه الواقع وتفاعل النص مع الواقع. ففقه الواقع مبني في الأساس على دراسة الواقع اليومي المعيش، دراسة دقيقة ومستوعبة لجميع مفردات هذا الواقع.
وإذا انفصل الخطيب عن واقعه ومجتمعه صار مثل الكتاب الذي أُنزل من الرف، أو كالشريط المسجل؛ لا علاقة له بالواقع، جهل مطبق بما يكابده الناس أو ما هم عليه ويحتاج لتنبيه أو استغلال في تذكيرهم أو تحسين سلوكهم وعبادتهم. هذا التجاهل المطلق لأحوال الناس وظروفهم يورث في قلوب الناس بغض الخطيب، والانفضاض عنه لعدم واقعيته. فالنفس الإنسانية مجبولة على محبة من يمتدح محاسنها، ويواسيها في ظروفها القاهرة، ومن يشعر باحتياجاتها ويتعرف على أحوالها، ومن يخصها بشيء لها ولذاتها. وهذا المحبة تورث في القلب قبولا للمطالبات التالية، وتفهما لما قد يفرضه الخطيب مما تأنفه النفس.
8-لا للكبر والعجب
لا أفسد للخطبة من كبر خطيبها، مهما أوتي من روعة البيان، وسداد الموقف والرأي، فالكبر من أبغض الأخلاق وأكثرها جرماً؛ لأثره الضار على صاحبه، وعلى الناس من حوله. وأسوأ ما يكون عليه الخطيب التلبس بهذا الخلق المنكر.
بعض الخطباء فيهم كبر وتعال وإعجاب بالنفس؛ وإن زعموا غير ذلك، فإنه قد تصدر منه مؤشرات الكبر، فهو من الخصال التي لا تخفى على أحد، فهي مثل الروائح النفاذة؛ سهلة الالتقاط!! فيجب على الخطيب-بل الجميع-أن يظل في حذر دائم؛ فإذا ما رماه الناس بالكبر؛ فليتيقن أن له في التهمة نصيب، وعليه أن يفتش في نفسه عن جذور هذا المرض، لأن مرض الكبر والإعجاب بالنفس يختبئ دوما خلف نصرة الحق، وحسن السمت، بل إن الكبر قد يختبئ خلف مظاهر التواضع وسماتها، فتجد بعضا ممن يتعمد مظاهر التواضع؛ وهو في حقيقة الأمر متعال متكبر.
إن الكبر لا يعالج بنفيه؛ بل تعمد كسر سورته، كما فعل عمر -رضي الله عنه- عندما آنس من نفسه شيئاً يسيراً من العجب في موسم الحج؛ فقام في الناس قائلا: "لا إله إلا الله العظيم المعطي ما شاء لمن شاء... كنت أرعى أبل الخطاب بهذا الوادي، في مدرعة صوف، وكان فظاً، ويتعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصرت، وقد أمسيت ليس بيني وبين الله أحد".
إن الكثير من الإجراءات المتبعة في الخطبة، وأفعال الخطيب قد تكون طقوساً تؤدي إلى الكبر والتعالي، هذه الإجراءات بريئة في أصلها؛ لكنها تحولت لطقوس فرضت بينهم وبين الناس حواجز، وأسبغت عليهم تميزا؛ يؤول إلى شيء من الكبر والتعالي على الناس.
وكان في بعض العصور أن بالغ بعض السلاطين في تحلية ثياب الخطيب؛ حتى وشوها بالذهب والفضة، وبالغوا في حجم عمامته؛ حتى بلغت حجما مستنكرا! وبعض الخطباء بالغ في الكثير من هذه المحسنات في: لبسه، وهيئته، وحركته، وتعامله مع الناس تحولت إلى طقوس تحمل الكثير من مظاهر الكبر.
يجب على الخطب أن يتعمد التنازل والتواضع، فلا بأس أن يأتي بدون عباءة فاخرة؛ فهذا لا ينقص من علمه ولا مهابته، ولا بأس أن يأتي بثوب قديم، وعباءة مهترئة، خصوصاً إن كانت الناس في شدة، وضيق؛ فهذا لا يخالف التزين المأمور به في كل مسجد، ولصلاة الجمعة؛ إن كان قد حقق: النظافة، وطيب الريح، وحسن الهيئة، قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ البذاذةَ من الإيمانِ، إنَّ البذاذَةَ من الإيمانِ).
9-لا لكثرة الحركة
عندما تلقي خطبة فأنت ترسل نوعين من الرسائل إلى المستمعين؛ بينما ينقل صوتك رسالة لفظية، تنتقل كمية كبيرة من المعلومات بطريقة مرئية، وذلك من خلال مظهرك وطريقتك وسلوكك البدني، ولا شك بأن التفاعل والتعاطي بين الخطيب وبقية الناس يشمل التحدث إليهم من خلال جمل وكلمات ونبرة صوت، إضافة إلى حركات الجسد التي نَستطيع بأن نَجزم بأنها اللغة التي تعتبر من أقوى وأهم شكل من أشكال التعاطي بين الناس، فهي اللغة المثيرة؛ لأنها تسمح بقراءة أفكار من يواجه الناس بالحديث والخطاب.
والخطيب يتحمل مسؤولية فشله في إلقاء الخطبة نتيجة أنه بعث برسالة ذات حدين إلى المستمعين، فما رأوه بأعينهم، تنافى مع ما سمعوه بآذانهم، وعندما يقع ذلك فإن الجمهور لا يصدق إلا ما شاهده بنفسه، فعلى الرغم من الرسالة بالسعادة التي تحملها كلمات المتحدث أمام الجمهور، إلا أن تعبيراته غير الشفهية قد تحمل رسالة عكسية.
فبعض الخطباء يفهم لغة الجسد بصورة خاطئة ويحسب أنه يُحسن صنعاً، فيكثر من حركاته على المنبر، ويستخدم اليدين والأصابع والرأس في غير موضعها، ويعبث بلحيته وجبينه عدة مرات، ويصلح هندامه عدة مرات على المنبر، ويكثر الالتفات يمنة ويسرة، والضغط بقبضة أيديهم بعصبية شديدة، مما يسبب توتراً غير ملائم، أو الإكثار من خلع النظارة ولبسها، وبعضهم كثير التحرك في مكانه إلى الأمام تارة وإلى الوراء أُخرى، ونحو هذا، فهذا العبث ونحوه يخل بالأداء، وربما يضر بهيبة الخطيب ووقاره. ويترك الحاضرين في حيرة واضطراب بسبب تضارب رسائله الجسدية الخاطئة.
10-لا لسوء الإلقاء
حسن الإلقاء هو واحد من أهم المهارات الخطابية، بدونه كل شيء يذهب أدراج الرياح، فقد تكون الخطبة مستكملة لكل عناصر النجاح الموضوعية؛ لكنها تعجز عن الوصول للمصلين بسبب سوء الإلقاء. ومظاهر الضعف في الإلقاء ترجع لثلاثة أسباب وهي:
الضعف الخِلقي: يقصد بذلك عدم مناسبة قدرات الخطيب البدنية للخطابة. وقد يكون هذا الضعف مستديماً، مثل أن يكون الخطيب ضعيف الصوت، لا يكاد يسمع، حتى إن حاول الاستعانة بالمكبر الصوتي لا يتحسن أداؤه. وفي بعض الأحيان تختلط مخارج الحروف مع محاولة رفع الصوت إلى حد الإبهام، وبعض الناس فيه الآفات اللسانية مثل التأتأة. وهذا النوع-مع كامل الاحترام-لا يصلح لمهمة الخطابة.
غياب المهارات: كل خطيب يمكنه من خلال عدة جلسات أن تتحسن لده مهارات الإلقاء، لكن الإشكال أن كثيراً من الخطباء معرضون عن التعلم، ولا يرون في مهاراتهم في الخطابة عيباً.
عدم مناسبة شكل الموضوع: ما كل موضوع يصلح شكله وصياغته أن يكون خطبة جمعة، وما كل كتابة تصلح أن تلقى من فوق المنابر. وكثيراً ما لا يفرق الخطيب في خطبته بين النص المكتوب الذي يقرأ، والنص المسموع. فالنص المسموع يكمن التحدي فيه بين الموازنة بين قدرة الاستيعاب وسرعة التنقل بين المواضيع. فإن كان الموضوع فقيرا والجمل مطولة فارغة والمعنى قد وصل إلى ذهن المستمع؛ أدى ذلك إلى الشعور بالملل، وإن كانت الجمل قصيرة ناقصة أو مضطربة فيما تحمله من معاني، أو تكثفت المعاني بشكل لا يمكن المستمع من التقاطها والحفاظ عليها في الذهن بما يصنع منها نسقا متكاملا شعر المصلون بالعجز والإحباط.
تلك عشرة كاملة.
- ملتقى الخطباء