امانى يسرى محمد
2026/09/02, 01:42 AM
ثالثاً : الحشر
● حشر الكافرين!
عن أنس بن مالك رضي الله عنه : أن رجلا قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة».
صحيح البخاري رقم: 6523
قال أبو حامد:
«طبع الآدمي إنكار كل ما لم يأنس به ولم يشاهده، ولو لم يشاهد الإنسان الحية وهي تمشي على بطنها لأنكر المشي من غير رجل، والمشي بالرجل أيضا مستبعد عند من لم يشاهد ذلك، فإياك أن تنكر شيئا من عجائب يوم القيامة لمخالفتها قياس الدنيا، فإنك لو لم تكن شاهدت عجائب الدنيا، ثم عُرِضَت عليك قبل المشاهدة لكنت أشد إنكارا لها».
واسمع ما ذهب إليه ابن حجر في بيان حكمة هذا المشي حين قال:
«والحكمة في حشر الكافر على وجهه: أنه عوقِب على عدم السجود لله في الدنيا، بأن يسحب على وجهه في القيامة؛ إظهارا لهوانه، بحيث صار وجهه مكان يده ورجله في التوقي عن المؤذيات».
● حشر السائلين:
في الحديث:
«ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتى يوم القيامة ليس فى وجهه مزعة لحم».
صحيح الجامع رقم: 5816
وفهم الإمام البخاري من الحديث أن الذي يأتى يوم القيامة لا لحم في وجهه من كثرة السؤال هو السائل تكثرا بغير ضرورة، ومن سأل تكثرا فهو غنيٌّ، لا تحل له الصدقة، لذا عوقب في الآخرة.
حين بذل وجهه وعنده كفاية، عوقِب في وجهه بأن جاء بلا لحم فيه، فكان جزاؤه من جنس ذنبه.
أما عن حد الكفاية ففد حدَّده النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر:
«من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوحا في وجهه».
قيل: يا رسول الله .. وما يغنيه؟ قال:
«خمسون درهما، أو قيمتها من الذهب». السلسلة الصحيحة رقم: 499
● حشر الغادرين:
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
«إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يُرفَع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان ابن فلان».
صحيح الجامع رقم: 483
وهذا الخطاب تفهمه العرب جيدا، لأنهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء؛ ليفضحوا الغادر ويذموه، وليحذِّروا الناس منه، فجاء تمييز الغادر في الحديث عن طريق اللواء ليفتضح بصفته هذه في القيامة، فيذمه أهل الموقف جميعا.
لكن .. أين مكان اللواء؟!
قال النبي ^:
«إن لكل غادر لواء يوم القيامة يُعرَف به عند إسته». صحيح الجامع رقم: 2153 والصحيحة رقم: 1690
عومِل الغادر بنقيض قصده، لأن عادة اللواء أن يكون في الأمام، فجُعِل في الخلف ليزداد فضحه وتوبيخه وتعذيبه، وبدلا من أن يحمل اللواء بيديه، ينغرس اللواء في مؤخرته، بحيث لا يملك صاحبه أن يتخلص منه.
والغرض من الحديث التنفير من الغدر، وبيان أنه من أعظم الجرائم عند الله.
لكن الغدر يتفاوت، ومن ثم فحجم اللواء يتفاوت، بحسب قدر الغدرة.
قال رسول الله ^:
«لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدرته، ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة».
صحيح الجامع رقم: 5170
وتغليظ تحريم الغدر من صاحب الولاية العامة؛ لأن ضرر غدره يتعدى إلى خلق كثير، ولأن الأمير غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء.
ومن صور الغدر الشنيعة، ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم :
«إذا اطمأن الرجل إلى الرجل، ثم قتله بعدما اطمأن إليه، نُصِب له يوم القيامة لواء غدر» .
صحيح الجامع رقم: 357 والصحيحة 441
● حشر الظالمين
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«ما من أمير عشرة إلا وهو يؤتى به يوم القيامة مغلولا، حتى يفكَّه العدل أو يوبقه الجور».
صحيح الجامع رقم: 5695 والصحيحة رقم: 349
الإمارة والمسؤولية هي قيود تسلسل صاحبها في الآخرة، وكل مسؤول مقيَّد، لكن صاحب العدل مفكوك محرَّر، والظالم أسير مقيَّد، ولذا زاد في رواية أحمد:
«لا يفُكُّه مِنْ ذلك الغُلِّ إلَّا العدل».
ولذا يحق لكل مظلوم أن يهتف اليوم:
بيني وبينك يا ظلومُ الموقِفُ ... والحاكِم العَدْلُ الجواد المُنْصِفُ
انظروا إلى عمر بن عبد العزيز بعد أن تولى الخلافة، حيث تقول زوجته فاطمة: دَخَلْتُ يوما عليه وهو جالِسٌ فِي مُصلَّاه، واضِعا خَدَّهُ على يد،ه ودموعه تسيل على خديه، فقلت: مالك؟ فقال:
«ويحك يا فاطمة، قَدْ وُلِّيتُ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ما وُلِّيتُ، فَتَفَكَّرْتُ في الفقير الجائع، والمريضِ الضَّائع، والعاري المجهود، واليتِيم المكسور، والأرملة الوحيدة والْمظلوم الْمَقْهُورِ. والغرِيب والأسير، والشَّيخ الكبيرِ، وذي العيال الكثير، والمال القليل، وأَشْباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعَلِمْتُ أَنَّ ربِّي سيسألنِي عنهم يوم القيامة، وأنَّ خصمِي دونهم محمد ، فَخَشيتُ أَنْ لا يَثْبُتَ لي حُجَّةٌ عند خصومته، فرحِمْتُ نفسي، فَبَكَيْتُ».
● حشر أهل الصلاة والمتوضئين:
عن عبد الله بن بسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«أمتي يوم القيامة غُرٌّ من السجود، محجَّلون من الوضوء». صحيح الجامع رقم: 1397
قال النووي:
«قال أهل اللغة الغرة بياض في جبهة الفرس، والتحجيل بياض في يديها ورجليها. قال العلماء: سُمِّي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلا تشبيها بغرة الفرس.
وحرص على إشعال روح المنافسة بين الصحابة في إحسان الوضوء، فعن نعيم بن عبد الله، أنه رأى أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». صحيح مسلم رقم: 246
● حشر الشهداء:
ومن مشاهد يوم القيامة: مشهد أقوام يحشرون ودماؤهم تسيل منهم، وهم الشهداء، وهذا إكرام لهم وبيان لفضلهم، وتشهيرٌ ببذلهم وعلو مقامهم، لأن الجزاء من جنس العمل.
في الحديث:
«كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله تعالى يكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت، تفجَّر دما، واللون لون الدم، والعَرْف عَرْف مسك».صحيح الجامع رقم: 4544
مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بحمزة وقد جُدِع أنفه، ومُثِّل بجثمانه، فقال: لولا أن تجزع صفية لتركته حتى يحشره الله عز وجل من بطون الطير والسباع، وكان هذا دعاء كثير من السلف والصالحين: اللهم احشرني من حواصل الطير وبطون السباع، وسبب ذلك أن يتضاعف أجرهم، ويعلو عند الله قدرهم.
ومثل هذا ما دعا به عبد الله بن جحش يوم أحد، فقال: يا رب .. إذا لقيت العدو غدا، فلقِّني رجلاً شديدا بأسه، شديدا حرده، أقاتله فيك، ويقاتلني، ثم يأخذني، فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدا، قلتَ: يا عبد الله .. من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت.
قال سعد بن أبي وقاص: «فلقد رأيته آخر النهار، وإن أذنه وأنفه لمعلقتان في خيط».
● حشر صاحِب القرآن
عن بريدة رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :
«وإِنَّ القرآن يلقى صاحِبَهُ يوم القيامة حين يَنْشَقُّ عنه قَبْرُه كالرَّجُل الشَّاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أَعْرِفُك، فيقول: أنا صاحبك .. القرآن الَّذي أَظمأتُك في الهواجر وأسهَرْتُ ليلك، وإنَّ كُلَّ تاجرٍ مِنْ وراء تجارته، وإنَّك اليوم من وراء كل تجارة، فيُعطَى الْمُلْكَ بِيمينه، والخُلد بِشِماله، ويوضَع على رأسه تاج الوقار، ويُكْسَى والِداه حُلَّتَيْن لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بِمَ كُسِينا هذا؟ فيُقال: بِأَخْذ وَلَدِكما القرآن، ثُمَّ يُقال له: اقرأ واصعد في دار الجنَّة وغُرَفِها، فهو في صعود ما دام يقرأ، هَذًّا كان، أو ترتيلا».
السلسلة الصحيحة رقم: 2829
والرجل الشاحب هو الذي تغير لونه، وكأن القرآن يأتي على هذه الهيئة ليكون أشبه بصاحبه في الدنيا، فقد دفعه القرآن لقيام الليل وصيام النهار حتى ظهر أثر ذلك عليه، فلم يكن القرآن ترانيم يتغنى بها صاحبها دون تهذيب سلوك أو تغيير عادات، وهذا دليلٌ على أن القرآن الذي لا تأثير له على عمل العبد وسلوكه لا يكون حجة لصاحبه، وإنما حال صاحب القرآن يجب أن يكون مغايرا لمن حوله، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :
«ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرَف بليله إذا الناس نائمون.
وبنهاره إذا الناس مستيقظون.
وببكائه إذا الناس يضحكون.
وبصمته إذا الناس يخوضون.
وبخضوعه إذا الناس يختالون.
وبحزنه إذا الناس يفرحون».
● حشر ذي الوجهين:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«من كان له وجهان في الدنيا، كان له يوم القيامة لسانان من نار». صحيح الجامع رقم: 6496
يريد به ذلك الشخص الذي يأتي كل قوم بما يرضيهم، خيرًا كان أم شرًا، وهذه هي المداهنة المحرمة، وإنما سُمِّي (ذو الوجهين) مداهنًا؛ لأنه يُظهِر لأهل المنكر أنه راضٍ عنهم، فيلقاهم بوجه سمح بالترحيب والبِشْر، وكذلك يُظهِر لأهل الحق أنه عنهم راض، فبخلطته لكلا الفريقين وإظهار رضاه عن فعلهم، استحق اسم المداهنة، تشبيها بالدهان الذى يظهر على ظواهر الأشياء ويستر بواطنها.
قيل لابن عمر: إنا ندخل على أمرائنا، فنقول القول، فإذا خرجنا قلنا غيره. قال: كنا نعده نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
● حشر مغتصب الحقوق:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقه إلا طُوِّقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة». صحيح الجامع رقم: 7577
وفي معنى طُوِّقه قولان:
- أحدها: معناه أنه يُعاقب بالخسف إلي سبع أرضين، فتكون كل أرض في تلك الحالة طوقا في عنقه كالطوق الذي تلبسه المرأة للزينة.
- والثاني: أنه يُكلَّف بنقل ما أخذ ظلما من الأرض في القيامة، فيحمل سبع أرضين في مقابل هذا الشبر الحقير المغصوب، وذلك كما يحمل السارق ما سرق على عنقه يوم القيامة على سبيل الفضيحة والتعذيب.
وكما ترى، فالجزاء من جنس العمل، وذلك أن هذا الظالم لما تحمل هذا الإثم بالنسبة للأرض، جوزي بأن يتحمل العقوبة بمثلها يوم القيامة.
وفي تقييد الأخذ بالشِّبر مبالغة، وبيانُ أن ما زادَ على الشبر أَوْلى بالعقوبة، ونظيرُه قوله صلى الله عليه وسلم في اليمين الكاذبة التي يغصب بها صاحبها حقوق الغير: «وإن كان قضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ»، ففي الحديث:
«من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة، وإن كان قضيبا من أراك». صحيح الجامع رقم: 6076
فما أقبح الظلم، وما أشد وعيد الظالم، وما أغلظ عقوبته، وكل هذا ردع للأمة عن الظلم، ورحمة بها كي لا تقع في براثنه.
● هدايا العمال غلول!
في الحديث:
«هدايا العمال غلول». صحيح الجامع رقم: 7021
وفي الطبراني عن ابن عباس:
«الهدية إلى الإمام غلول». صحيح الجامع رقم: 7054
والحديث يشمل الإمام ومثله نوابه من الوزراء والمحافظين ومديري الهيئات والمصالح العامة.
رُوِي أن عمر أهدى إليه رجل فخذ جزور، ثم أتاه بعد مدة ومعه خصمه، فقال: يا أمير المؤمنين .. اقض لي قضاء فصلا كما يفصل الفخذ من الجزور، فضرب بيده على فخذه وقال:
«الله أكبر .. اكتبوا إلى الآفاق: هدايا العمال غلول»
خالد ابو شادي
● حشر الكافرين!
عن أنس بن مالك رضي الله عنه : أن رجلا قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة».
صحيح البخاري رقم: 6523
قال أبو حامد:
«طبع الآدمي إنكار كل ما لم يأنس به ولم يشاهده، ولو لم يشاهد الإنسان الحية وهي تمشي على بطنها لأنكر المشي من غير رجل، والمشي بالرجل أيضا مستبعد عند من لم يشاهد ذلك، فإياك أن تنكر شيئا من عجائب يوم القيامة لمخالفتها قياس الدنيا، فإنك لو لم تكن شاهدت عجائب الدنيا، ثم عُرِضَت عليك قبل المشاهدة لكنت أشد إنكارا لها».
واسمع ما ذهب إليه ابن حجر في بيان حكمة هذا المشي حين قال:
«والحكمة في حشر الكافر على وجهه: أنه عوقِب على عدم السجود لله في الدنيا، بأن يسحب على وجهه في القيامة؛ إظهارا لهوانه، بحيث صار وجهه مكان يده ورجله في التوقي عن المؤذيات».
● حشر السائلين:
في الحديث:
«ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتى يوم القيامة ليس فى وجهه مزعة لحم».
صحيح الجامع رقم: 5816
وفهم الإمام البخاري من الحديث أن الذي يأتى يوم القيامة لا لحم في وجهه من كثرة السؤال هو السائل تكثرا بغير ضرورة، ومن سأل تكثرا فهو غنيٌّ، لا تحل له الصدقة، لذا عوقب في الآخرة.
حين بذل وجهه وعنده كفاية، عوقِب في وجهه بأن جاء بلا لحم فيه، فكان جزاؤه من جنس ذنبه.
أما عن حد الكفاية ففد حدَّده النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر:
«من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوحا في وجهه».
قيل: يا رسول الله .. وما يغنيه؟ قال:
«خمسون درهما، أو قيمتها من الذهب». السلسلة الصحيحة رقم: 499
● حشر الغادرين:
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
«إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يُرفَع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان ابن فلان».
صحيح الجامع رقم: 483
وهذا الخطاب تفهمه العرب جيدا، لأنهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء؛ ليفضحوا الغادر ويذموه، وليحذِّروا الناس منه، فجاء تمييز الغادر في الحديث عن طريق اللواء ليفتضح بصفته هذه في القيامة، فيذمه أهل الموقف جميعا.
لكن .. أين مكان اللواء؟!
قال النبي ^:
«إن لكل غادر لواء يوم القيامة يُعرَف به عند إسته». صحيح الجامع رقم: 2153 والصحيحة رقم: 1690
عومِل الغادر بنقيض قصده، لأن عادة اللواء أن يكون في الأمام، فجُعِل في الخلف ليزداد فضحه وتوبيخه وتعذيبه، وبدلا من أن يحمل اللواء بيديه، ينغرس اللواء في مؤخرته، بحيث لا يملك صاحبه أن يتخلص منه.
والغرض من الحديث التنفير من الغدر، وبيان أنه من أعظم الجرائم عند الله.
لكن الغدر يتفاوت، ومن ثم فحجم اللواء يتفاوت، بحسب قدر الغدرة.
قال رسول الله ^:
«لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدرته، ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة».
صحيح الجامع رقم: 5170
وتغليظ تحريم الغدر من صاحب الولاية العامة؛ لأن ضرر غدره يتعدى إلى خلق كثير، ولأن الأمير غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء.
ومن صور الغدر الشنيعة، ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم :
«إذا اطمأن الرجل إلى الرجل، ثم قتله بعدما اطمأن إليه، نُصِب له يوم القيامة لواء غدر» .
صحيح الجامع رقم: 357 والصحيحة 441
● حشر الظالمين
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«ما من أمير عشرة إلا وهو يؤتى به يوم القيامة مغلولا، حتى يفكَّه العدل أو يوبقه الجور».
صحيح الجامع رقم: 5695 والصحيحة رقم: 349
الإمارة والمسؤولية هي قيود تسلسل صاحبها في الآخرة، وكل مسؤول مقيَّد، لكن صاحب العدل مفكوك محرَّر، والظالم أسير مقيَّد، ولذا زاد في رواية أحمد:
«لا يفُكُّه مِنْ ذلك الغُلِّ إلَّا العدل».
ولذا يحق لكل مظلوم أن يهتف اليوم:
بيني وبينك يا ظلومُ الموقِفُ ... والحاكِم العَدْلُ الجواد المُنْصِفُ
انظروا إلى عمر بن عبد العزيز بعد أن تولى الخلافة، حيث تقول زوجته فاطمة: دَخَلْتُ يوما عليه وهو جالِسٌ فِي مُصلَّاه، واضِعا خَدَّهُ على يد،ه ودموعه تسيل على خديه، فقلت: مالك؟ فقال:
«ويحك يا فاطمة، قَدْ وُلِّيتُ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ما وُلِّيتُ، فَتَفَكَّرْتُ في الفقير الجائع، والمريضِ الضَّائع، والعاري المجهود، واليتِيم المكسور، والأرملة الوحيدة والْمظلوم الْمَقْهُورِ. والغرِيب والأسير، والشَّيخ الكبيرِ، وذي العيال الكثير، والمال القليل، وأَشْباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعَلِمْتُ أَنَّ ربِّي سيسألنِي عنهم يوم القيامة، وأنَّ خصمِي دونهم محمد ، فَخَشيتُ أَنْ لا يَثْبُتَ لي حُجَّةٌ عند خصومته، فرحِمْتُ نفسي، فَبَكَيْتُ».
● حشر أهل الصلاة والمتوضئين:
عن عبد الله بن بسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«أمتي يوم القيامة غُرٌّ من السجود، محجَّلون من الوضوء». صحيح الجامع رقم: 1397
قال النووي:
«قال أهل اللغة الغرة بياض في جبهة الفرس، والتحجيل بياض في يديها ورجليها. قال العلماء: سُمِّي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلا تشبيها بغرة الفرس.
وحرص على إشعال روح المنافسة بين الصحابة في إحسان الوضوء، فعن نعيم بن عبد الله، أنه رأى أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». صحيح مسلم رقم: 246
● حشر الشهداء:
ومن مشاهد يوم القيامة: مشهد أقوام يحشرون ودماؤهم تسيل منهم، وهم الشهداء، وهذا إكرام لهم وبيان لفضلهم، وتشهيرٌ ببذلهم وعلو مقامهم، لأن الجزاء من جنس العمل.
في الحديث:
«كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله تعالى يكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت، تفجَّر دما، واللون لون الدم، والعَرْف عَرْف مسك».صحيح الجامع رقم: 4544
مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بحمزة وقد جُدِع أنفه، ومُثِّل بجثمانه، فقال: لولا أن تجزع صفية لتركته حتى يحشره الله عز وجل من بطون الطير والسباع، وكان هذا دعاء كثير من السلف والصالحين: اللهم احشرني من حواصل الطير وبطون السباع، وسبب ذلك أن يتضاعف أجرهم، ويعلو عند الله قدرهم.
ومثل هذا ما دعا به عبد الله بن جحش يوم أحد، فقال: يا رب .. إذا لقيت العدو غدا، فلقِّني رجلاً شديدا بأسه، شديدا حرده، أقاتله فيك، ويقاتلني، ثم يأخذني، فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدا، قلتَ: يا عبد الله .. من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت.
قال سعد بن أبي وقاص: «فلقد رأيته آخر النهار، وإن أذنه وأنفه لمعلقتان في خيط».
● حشر صاحِب القرآن
عن بريدة رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :
«وإِنَّ القرآن يلقى صاحِبَهُ يوم القيامة حين يَنْشَقُّ عنه قَبْرُه كالرَّجُل الشَّاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أَعْرِفُك، فيقول: أنا صاحبك .. القرآن الَّذي أَظمأتُك في الهواجر وأسهَرْتُ ليلك، وإنَّ كُلَّ تاجرٍ مِنْ وراء تجارته، وإنَّك اليوم من وراء كل تجارة، فيُعطَى الْمُلْكَ بِيمينه، والخُلد بِشِماله، ويوضَع على رأسه تاج الوقار، ويُكْسَى والِداه حُلَّتَيْن لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بِمَ كُسِينا هذا؟ فيُقال: بِأَخْذ وَلَدِكما القرآن، ثُمَّ يُقال له: اقرأ واصعد في دار الجنَّة وغُرَفِها، فهو في صعود ما دام يقرأ، هَذًّا كان، أو ترتيلا».
السلسلة الصحيحة رقم: 2829
والرجل الشاحب هو الذي تغير لونه، وكأن القرآن يأتي على هذه الهيئة ليكون أشبه بصاحبه في الدنيا، فقد دفعه القرآن لقيام الليل وصيام النهار حتى ظهر أثر ذلك عليه، فلم يكن القرآن ترانيم يتغنى بها صاحبها دون تهذيب سلوك أو تغيير عادات، وهذا دليلٌ على أن القرآن الذي لا تأثير له على عمل العبد وسلوكه لا يكون حجة لصاحبه، وإنما حال صاحب القرآن يجب أن يكون مغايرا لمن حوله، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :
«ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرَف بليله إذا الناس نائمون.
وبنهاره إذا الناس مستيقظون.
وببكائه إذا الناس يضحكون.
وبصمته إذا الناس يخوضون.
وبخضوعه إذا الناس يختالون.
وبحزنه إذا الناس يفرحون».
● حشر ذي الوجهين:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«من كان له وجهان في الدنيا، كان له يوم القيامة لسانان من نار». صحيح الجامع رقم: 6496
يريد به ذلك الشخص الذي يأتي كل قوم بما يرضيهم، خيرًا كان أم شرًا، وهذه هي المداهنة المحرمة، وإنما سُمِّي (ذو الوجهين) مداهنًا؛ لأنه يُظهِر لأهل المنكر أنه راضٍ عنهم، فيلقاهم بوجه سمح بالترحيب والبِشْر، وكذلك يُظهِر لأهل الحق أنه عنهم راض، فبخلطته لكلا الفريقين وإظهار رضاه عن فعلهم، استحق اسم المداهنة، تشبيها بالدهان الذى يظهر على ظواهر الأشياء ويستر بواطنها.
قيل لابن عمر: إنا ندخل على أمرائنا، فنقول القول، فإذا خرجنا قلنا غيره. قال: كنا نعده نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
● حشر مغتصب الحقوق:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقه إلا طُوِّقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة». صحيح الجامع رقم: 7577
وفي معنى طُوِّقه قولان:
- أحدها: معناه أنه يُعاقب بالخسف إلي سبع أرضين، فتكون كل أرض في تلك الحالة طوقا في عنقه كالطوق الذي تلبسه المرأة للزينة.
- والثاني: أنه يُكلَّف بنقل ما أخذ ظلما من الأرض في القيامة، فيحمل سبع أرضين في مقابل هذا الشبر الحقير المغصوب، وذلك كما يحمل السارق ما سرق على عنقه يوم القيامة على سبيل الفضيحة والتعذيب.
وكما ترى، فالجزاء من جنس العمل، وذلك أن هذا الظالم لما تحمل هذا الإثم بالنسبة للأرض، جوزي بأن يتحمل العقوبة بمثلها يوم القيامة.
وفي تقييد الأخذ بالشِّبر مبالغة، وبيانُ أن ما زادَ على الشبر أَوْلى بالعقوبة، ونظيرُه قوله صلى الله عليه وسلم في اليمين الكاذبة التي يغصب بها صاحبها حقوق الغير: «وإن كان قضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ»، ففي الحديث:
«من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة، وإن كان قضيبا من أراك». صحيح الجامع رقم: 6076
فما أقبح الظلم، وما أشد وعيد الظالم، وما أغلظ عقوبته، وكل هذا ردع للأمة عن الظلم، ورحمة بها كي لا تقع في براثنه.
● هدايا العمال غلول!
في الحديث:
«هدايا العمال غلول». صحيح الجامع رقم: 7021
وفي الطبراني عن ابن عباس:
«الهدية إلى الإمام غلول». صحيح الجامع رقم: 7054
والحديث يشمل الإمام ومثله نوابه من الوزراء والمحافظين ومديري الهيئات والمصالح العامة.
رُوِي أن عمر أهدى إليه رجل فخذ جزور، ثم أتاه بعد مدة ومعه خصمه، فقال: يا أمير المؤمنين .. اقض لي قضاء فصلا كما يفصل الفخذ من الجزور، فضرب بيده على فخذه وقال:
«الله أكبر .. اكتبوا إلى الآفاق: هدايا العمال غلول»
خالد ابو شادي