امانى يسرى محمد
2026/09/07, 01:02 AM
تاسعاً: الصراط
● ما الصراط؟!
جسر حسي منصوب فوق جهنم، يعبر الناس عليه على قدر أعمالهم، وأثناء مرورهم عليه، تُبدَّل الأرض غير الأرض، كما في صحيح مسلم عن عائشة قالت: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ) [إبراهيم: 48]، فأين يكون الناس يا رسول الله؟ فقال: «على الصراط».
صحيح مسلم رقم: 2791
وينتشر الظلام في هذا اليوم، لكن يُعطى المؤمنون نورهم بيمينهم وبين أيديهم، ليستضيئوا به على الصراط، وليكون لهم دليلاً إلى الجنة، بينما المنافقون في الظلمات يغرقون.
وفي هذا الموضع يفترق المنافقون والمؤمنون، فيتخلف المنافقون، ويسبق المؤمنون، وعندها يفزع المنافقون وينادون: (انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) [الحديد:13]، فإذا رأى المؤمنون انطفاء نور المنافقين أشفقوا أن ينطفىء نورهم كذلك، فقالوا: {رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا}، ثم يقال للمنافقين: (ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً) [الحديد:13]
أي ارجعوا إلى المكان الذي قسمت فيه الأنوار فيرجعون، فإذا رجعوا، ضُرِب بينهم وبين المؤمنين بسور وحاجز منيع يحول بين الفريقين:{بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد:13]، فهذا هو الوقت الذي يتميز فيه المنافقون عن المؤمنين.
● الظالمون في الظلمات!
والظلمة التي يغرق فيها المنافقون هي نفسها التي يغرق فيها الظالمون، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«اتقوا الظلم، فإنّ الظلم ظلمات يوم القيامة».
صحيح الجامع رقم: 101
والظاهر أن عقوبة الظلم يبدأ إنزالها على الظالمين قبيل الصراط، حين يفترق المؤمنون عن المنافقين.
قال الإمام القرطبي:
«ظاهره أن الظالم يعاقب يوم القيامة، بأن يكون في ظلمات متوالية، يوم يكون المؤمنون في نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، حين يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}، فيقال لهم: {ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا}».
● لكن لماذا هذه العقوبة الشديدة للظالمين؟!
ذكر الحافظ ابن حجر السبب فقال:
«الظلم يشتمل على معصيتين:
- أخذ مال الغير بغير حق.
- ومبارزة الرب بالمخالفة.
والمعصية فيه أشد من غيرها؛ لأنه لا يقع غالبا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار.
وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب؛ لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى، اكتنفت ظلمات الظُّلْم الظالم، حيث لا يغني عنه ظلمه شيئا».
● هل يمر الكفار بالصراط؟!
والجواب: كلا، لأنهم يسقطون في النار قبلها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
«ينادي مناد: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله، من بر أو فاجر، وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تُعرَض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم.
ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة، ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم».
صحيح البخاري رقم: 7439
● معنى ورُود النّار
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«وأما الورود المذكور في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا}، فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: رواه مسلم في صحيحه عن جابر، بأنه المرور على الصراط، والصراط هو الجسر، فلا بد من المرور عليه لكلِّ من يدخل الجنة».
● ما صفات الصراط؟
وصف النبي صلى الله عليه وسلم الصراط بعدة أوصاف:
أولا: مدحضة مزلة
في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قلنا: ما الجسر يا رسول الله؟ قال: «مدحضة مزلة».
البخاري رقم: 7439
ومعنى مدحضة: يعني تزلق فيه الأقدام، ومزلة تعني: تسقط فيه الأجساد، فالصراط مضروب على متن جهنم، من أولها إلى آخرها، ومن الطرف إلى الطرف.
ثانيا: حوله كلاليب وخطاطيف
ومن صفات الجسر الواردة في الحديث الصحيح أن له كلاليب على حافتيه، روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة)، كلاليب فيها حياة وروح، وتتحرك حركة دائبة، ولها تمييز وإدراك، فتميز بين من أمرت بأخذه، ومن أُمِرت بتركه، فهي مأمورة.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صفة الصراط:
«وبه كلاليب مثل شوك السعدان، أما رأيتم شوك السعدان». قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنها مثل شوك السَّعْدَانِ ، غير ألا يعلم قدر عظمها إلا الله».
وشوك السعدان نبات له شوك، يرعى البدو إبلهم عنده، وهو مشهور في منطقة نجد، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرِّب لهم صورة تعلق هذه الكلاليب بأجساد الناس، كيف تتخطفهم وتعلق بأجسادهم مثل شوك السعدان الذي يعلق، وإذا نشب بالجسم لا يخرج بسهولة.
ثالثا: حد الصراط مثل حد الموسى
جاء في حديث سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة من تجيز على هذا، فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: ما عبدناك حق عبادتك».
السلسلة الصحيحة رقم: 941
تصور سمك الطريق الذي تسير عليه، مثل حد الموسى، وهو مع هذا حوله خطاطيف وكلاليب تنهش من يمر عليه، وتهوي به يمينا وشمالاً، فيتساقط في جهنم إلا من شاء الله.
● أول من يجتاز الصراط
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها».
وفي رواية:
فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته»، وفي رواية أبي هريرة عند مسلم: «إلى أن تمر أمتي كلها، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلِّم سلِّم».
وهذا من شفقته على أمته، وكذلك الأنبياء كما جاء في رواية أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والأنبياء بجنبتي الصراط، وأكثر قولهم: اللهم سلِّم سلِّم».
وعند الصراط لا أحد ينطق من هول الموقف، ولا يتلفظ أحد بكلمة، ما عدا الرسل عندهم القدرة على الكلام، لكن كلامهم محدود بعبارة من ثلاث كلمات: «اللهم سلِّم سلِّم».
● تفاوت النور وسرعة العبور
في حديث بن مسعود:
«ثم يُقال لهم: انجوا على قدر نوركم».
لا يستطيع أحد أن يمشي في الظلمة، فإذا أضيء له مشى، وإذا أظلم قام واقفا، لأنه إن غامر بالسير في الظلام سقط، فهو يقوم على صراط كشفرة الموسى في الحِدَّة، والكلاليب حوله، يطفئ نوره فيقف، ثم يوقد مرة فيمشي، وذلك بحسب عمله، ولذا تتفاوت أحوال العباد على الصراط في أمرين أساسيين:
في قدر النور، وسرعة العبور.
أما قدر النور، فمنهم من يُعطَى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يُعطَى نوره فوق ذلك، ومنهم من يُعطَى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك، حتى يكون آخر من يُعطَى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ، ويطفئ مرة.
وأما سرعة العبور، فتختلف سرعات الناس في المرور على الصراط باختلاف قوة النور الذي يعطونه، فالنور تابع للسرعة، جاء في حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم :
«ويقال لهم : امضوا على قدر نوركم ، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب ، ومنهم من يمر كالريح ، ومنهم من يمر كالطرف ، ومنهم من يمر كشد الرِّجل ، يرمل رملاً على قدر أعمالهم ، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخر يد، وتُعلَّق يد، وتخر رجل، وتُعلَّق رجل، وتصيب جوانبه النار».
والمراد والدرس المستفاد:
كلما كانت حسناتك أكثر كان مرورك أسرع، وكلما كانت أقل كان مرورك أبطأ، وصرتَ إلى الخطر أقرب، وما زال بيدك اليوم تحديد سرعة الغد، وبإمكانك تسريع نجاتك.
● أحوال الناس على الصراط.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«يوضع الصراط بين ظهراني جهنم، عليه حسك كحسك السعدان، ثم يستجيز الناس، فناج مُسلَّم، ومخدوش به ثم ناج، ومحتبس به، ومنكوس فيها».
صحيح الجامع رقم: 8189
أصناف المارين على الصراط أربعة:
الأول: ناجٍ مُسلَّم
أي من الأذى بلا خدوش، وهؤلاء هم صفوة المؤمنين.
الثاني: ناجٍ مخدوش
أي أصابه لفح جهنم أو نالته الكلاليب والخطاطيف بخدوش، قبل أن ينجو، وفي رواية: «مخدوجٌ به»، والخدْج: النقص أي يُنقَص من جسمه، بسبب ما تقتطعه منه الخطاطيف والكلاليب المأمورة به.
الثالث: محتبس به
أي يُحبس على الصراط، فيظل في رعب وخوف حتى يطلق سراحه، فيجتاز الصراط.
والرابع: الهالك في النار
وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأوصاف، منها: «منكوس فيها»، ومنها: «مكرْدَس في النار»، وقال: «مكدوسٌ في نار جهنم» أو «مكدوش».
والمنكوس هو المقلوب على رأسه، فرأسه إلى أسفل، ورجلاه إلى أعلى، ليخر بهذه الصورة إلى قعر النار.
والمكَرْدَس هو من جُمِعَت يداه ورجلاه، قبل أن يُلقَى في جهنم.
والمكدوس هو الذي تكدَّس، أي دُفِع من وراءه، فسقط في النار.
والمكدوش هو الذي يساق سوقا شديدا حتى يُكبَّ على وجهه في النار.
● الواجب العملي:
الاستقامة على الصراط المعنوي في الدنيا: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام:153] ، هو شرط عبور الصراط الحسي المنصوب فوق النار في الآخرة، فالصراط الثاني يعبره الناس غدا بحسب أعمالهم وأحوالهم اليوم، وكلاهما صعب، لذا قال الإمام أبو حامد الغزالي:
«الاستقامة على الصراط في الدنيا صعب كالمرور على صراط جهنم، وكل واحد منهما أدق من الشعر، وأحدُّ من السيف»، ومما يؤيِّد صعوبة الاستقامة قول النبي صلى الله عليه وسلم : «استقيموا ولن تحصوا».
أي ولن تطيقوا أن تستقيموا حق الاستقامة، ولكن اجتهدوا في الطاعة حق الإطاعة، فما لا يدرك كله لا يُترَك كله
خالد ابو شادي
خطط لمستقبلك
● ما الصراط؟!
جسر حسي منصوب فوق جهنم، يعبر الناس عليه على قدر أعمالهم، وأثناء مرورهم عليه، تُبدَّل الأرض غير الأرض، كما في صحيح مسلم عن عائشة قالت: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ) [إبراهيم: 48]، فأين يكون الناس يا رسول الله؟ فقال: «على الصراط».
صحيح مسلم رقم: 2791
وينتشر الظلام في هذا اليوم، لكن يُعطى المؤمنون نورهم بيمينهم وبين أيديهم، ليستضيئوا به على الصراط، وليكون لهم دليلاً إلى الجنة، بينما المنافقون في الظلمات يغرقون.
وفي هذا الموضع يفترق المنافقون والمؤمنون، فيتخلف المنافقون، ويسبق المؤمنون، وعندها يفزع المنافقون وينادون: (انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) [الحديد:13]، فإذا رأى المؤمنون انطفاء نور المنافقين أشفقوا أن ينطفىء نورهم كذلك، فقالوا: {رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا}، ثم يقال للمنافقين: (ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً) [الحديد:13]
أي ارجعوا إلى المكان الذي قسمت فيه الأنوار فيرجعون، فإذا رجعوا، ضُرِب بينهم وبين المؤمنين بسور وحاجز منيع يحول بين الفريقين:{بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد:13]، فهذا هو الوقت الذي يتميز فيه المنافقون عن المؤمنين.
● الظالمون في الظلمات!
والظلمة التي يغرق فيها المنافقون هي نفسها التي يغرق فيها الظالمون، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«اتقوا الظلم، فإنّ الظلم ظلمات يوم القيامة».
صحيح الجامع رقم: 101
والظاهر أن عقوبة الظلم يبدأ إنزالها على الظالمين قبيل الصراط، حين يفترق المؤمنون عن المنافقين.
قال الإمام القرطبي:
«ظاهره أن الظالم يعاقب يوم القيامة، بأن يكون في ظلمات متوالية، يوم يكون المؤمنون في نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، حين يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}، فيقال لهم: {ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا}».
● لكن لماذا هذه العقوبة الشديدة للظالمين؟!
ذكر الحافظ ابن حجر السبب فقال:
«الظلم يشتمل على معصيتين:
- أخذ مال الغير بغير حق.
- ومبارزة الرب بالمخالفة.
والمعصية فيه أشد من غيرها؛ لأنه لا يقع غالبا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار.
وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب؛ لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى، اكتنفت ظلمات الظُّلْم الظالم، حيث لا يغني عنه ظلمه شيئا».
● هل يمر الكفار بالصراط؟!
والجواب: كلا، لأنهم يسقطون في النار قبلها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
«ينادي مناد: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله، من بر أو فاجر، وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تُعرَض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم.
ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة، ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم».
صحيح البخاري رقم: 7439
● معنى ورُود النّار
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«وأما الورود المذكور في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا}، فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: رواه مسلم في صحيحه عن جابر، بأنه المرور على الصراط، والصراط هو الجسر، فلا بد من المرور عليه لكلِّ من يدخل الجنة».
● ما صفات الصراط؟
وصف النبي صلى الله عليه وسلم الصراط بعدة أوصاف:
أولا: مدحضة مزلة
في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قلنا: ما الجسر يا رسول الله؟ قال: «مدحضة مزلة».
البخاري رقم: 7439
ومعنى مدحضة: يعني تزلق فيه الأقدام، ومزلة تعني: تسقط فيه الأجساد، فالصراط مضروب على متن جهنم، من أولها إلى آخرها، ومن الطرف إلى الطرف.
ثانيا: حوله كلاليب وخطاطيف
ومن صفات الجسر الواردة في الحديث الصحيح أن له كلاليب على حافتيه، روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة)، كلاليب فيها حياة وروح، وتتحرك حركة دائبة، ولها تمييز وإدراك، فتميز بين من أمرت بأخذه، ومن أُمِرت بتركه، فهي مأمورة.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صفة الصراط:
«وبه كلاليب مثل شوك السعدان، أما رأيتم شوك السعدان». قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنها مثل شوك السَّعْدَانِ ، غير ألا يعلم قدر عظمها إلا الله».
وشوك السعدان نبات له شوك، يرعى البدو إبلهم عنده، وهو مشهور في منطقة نجد، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرِّب لهم صورة تعلق هذه الكلاليب بأجساد الناس، كيف تتخطفهم وتعلق بأجسادهم مثل شوك السعدان الذي يعلق، وإذا نشب بالجسم لا يخرج بسهولة.
ثالثا: حد الصراط مثل حد الموسى
جاء في حديث سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة من تجيز على هذا، فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: ما عبدناك حق عبادتك».
السلسلة الصحيحة رقم: 941
تصور سمك الطريق الذي تسير عليه، مثل حد الموسى، وهو مع هذا حوله خطاطيف وكلاليب تنهش من يمر عليه، وتهوي به يمينا وشمالاً، فيتساقط في جهنم إلا من شاء الله.
● أول من يجتاز الصراط
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها».
وفي رواية:
فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته»، وفي رواية أبي هريرة عند مسلم: «إلى أن تمر أمتي كلها، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلِّم سلِّم».
وهذا من شفقته على أمته، وكذلك الأنبياء كما جاء في رواية أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والأنبياء بجنبتي الصراط، وأكثر قولهم: اللهم سلِّم سلِّم».
وعند الصراط لا أحد ينطق من هول الموقف، ولا يتلفظ أحد بكلمة، ما عدا الرسل عندهم القدرة على الكلام، لكن كلامهم محدود بعبارة من ثلاث كلمات: «اللهم سلِّم سلِّم».
● تفاوت النور وسرعة العبور
في حديث بن مسعود:
«ثم يُقال لهم: انجوا على قدر نوركم».
لا يستطيع أحد أن يمشي في الظلمة، فإذا أضيء له مشى، وإذا أظلم قام واقفا، لأنه إن غامر بالسير في الظلام سقط، فهو يقوم على صراط كشفرة الموسى في الحِدَّة، والكلاليب حوله، يطفئ نوره فيقف، ثم يوقد مرة فيمشي، وذلك بحسب عمله، ولذا تتفاوت أحوال العباد على الصراط في أمرين أساسيين:
في قدر النور، وسرعة العبور.
أما قدر النور، فمنهم من يُعطَى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يُعطَى نوره فوق ذلك، ومنهم من يُعطَى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك، حتى يكون آخر من يُعطَى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ، ويطفئ مرة.
وأما سرعة العبور، فتختلف سرعات الناس في المرور على الصراط باختلاف قوة النور الذي يعطونه، فالنور تابع للسرعة، جاء في حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم :
«ويقال لهم : امضوا على قدر نوركم ، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب ، ومنهم من يمر كالريح ، ومنهم من يمر كالطرف ، ومنهم من يمر كشد الرِّجل ، يرمل رملاً على قدر أعمالهم ، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخر يد، وتُعلَّق يد، وتخر رجل، وتُعلَّق رجل، وتصيب جوانبه النار».
والمراد والدرس المستفاد:
كلما كانت حسناتك أكثر كان مرورك أسرع، وكلما كانت أقل كان مرورك أبطأ، وصرتَ إلى الخطر أقرب، وما زال بيدك اليوم تحديد سرعة الغد، وبإمكانك تسريع نجاتك.
● أحوال الناس على الصراط.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«يوضع الصراط بين ظهراني جهنم، عليه حسك كحسك السعدان، ثم يستجيز الناس، فناج مُسلَّم، ومخدوش به ثم ناج، ومحتبس به، ومنكوس فيها».
صحيح الجامع رقم: 8189
أصناف المارين على الصراط أربعة:
الأول: ناجٍ مُسلَّم
أي من الأذى بلا خدوش، وهؤلاء هم صفوة المؤمنين.
الثاني: ناجٍ مخدوش
أي أصابه لفح جهنم أو نالته الكلاليب والخطاطيف بخدوش، قبل أن ينجو، وفي رواية: «مخدوجٌ به»، والخدْج: النقص أي يُنقَص من جسمه، بسبب ما تقتطعه منه الخطاطيف والكلاليب المأمورة به.
الثالث: محتبس به
أي يُحبس على الصراط، فيظل في رعب وخوف حتى يطلق سراحه، فيجتاز الصراط.
والرابع: الهالك في النار
وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأوصاف، منها: «منكوس فيها»، ومنها: «مكرْدَس في النار»، وقال: «مكدوسٌ في نار جهنم» أو «مكدوش».
والمنكوس هو المقلوب على رأسه، فرأسه إلى أسفل، ورجلاه إلى أعلى، ليخر بهذه الصورة إلى قعر النار.
والمكَرْدَس هو من جُمِعَت يداه ورجلاه، قبل أن يُلقَى في جهنم.
والمكدوس هو الذي تكدَّس، أي دُفِع من وراءه، فسقط في النار.
والمكدوش هو الذي يساق سوقا شديدا حتى يُكبَّ على وجهه في النار.
● الواجب العملي:
الاستقامة على الصراط المعنوي في الدنيا: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام:153] ، هو شرط عبور الصراط الحسي المنصوب فوق النار في الآخرة، فالصراط الثاني يعبره الناس غدا بحسب أعمالهم وأحوالهم اليوم، وكلاهما صعب، لذا قال الإمام أبو حامد الغزالي:
«الاستقامة على الصراط في الدنيا صعب كالمرور على صراط جهنم، وكل واحد منهما أدق من الشعر، وأحدُّ من السيف»، ومما يؤيِّد صعوبة الاستقامة قول النبي صلى الله عليه وسلم : «استقيموا ولن تحصوا».
أي ولن تطيقوا أن تستقيموا حق الاستقامة، ولكن اجتهدوا في الطاعة حق الإطاعة، فما لا يدرك كله لا يُترَك كله
خالد ابو شادي
خطط لمستقبلك